ثقافة

في البدء كان السّؤال

( ألوهيم، أدوناي، ربّ الجنود، زيوس، بعل، إيل.. يهوَه، الّله… ) المقدّس قديمٌ، قدم الأمكنة والأزمنة بمفاهيم ثقافيّة، نسبيّة، مختلفة، كذلك الفساد، الثّورات، الظّلاميّون، الإقصائيّون، الماورائيّون، المدرحيّون (الماديّون، الرّوحيّون) أيضاً…إلخ فمنذ البعيد الموغل في الأسطرة نصبَ “يعقوب” خيمته، دخل عليه أحدهم وصارعه حتى مطلع الفجر وقَبِلَ “يعقوب” هذا الصّراع، كان يعرف أنّ خصمه ما هو إلّا الرّب “أدوناي” وقد جرى تداول هذا الموروث التّوراتي عبر الأجيال المختلفة وارتسمتْ أشكاله في ثقافات أخرى، ها هو يتسطّر أدبيّاً بقلم مبدع “زوربا”  كازنتزاكس “حيث يقول على لسان إحدى شخصيّات رواياته: “سأل الشّاب عجوزاً يتدفّأ بأشعة الشّمس: هل مازلتَ تتصارع مع الشّيطان يا جدّاه: فأجاب: بل مع “الّله” يابني، إنّ عظامي مازالتْ قويّة وهي التي تقاوم..”.
باختصار، الصّراع بين الدّنيوي والمقدّس كان وسيبقى، طالما هناك الأسئلة، الكينونة، قلق الكائن، وتوقه الذي لا يحدّ إلى المعرفة، رغماً عن محاكم التفتيش المزدهرة على مرّ العصور..
يتابع السّارد التّوراتي: “ثمّ قال له لا يكون اسمك “يعقوب” فيما بعد بل “إسرائيل” وكانت المسألة بأن يكون للأشياء أسماء ..وبالمناسبة، يُقال بأنّ تسمية: إسرائيل “كلدانيّة..لاعبريّة”.
في روايته  الرّائعة “عزازيل” يقول الرّوائي المصري يوسف زيدان: “ … وكان باب الصّومعة مفتوحاً و”عزازيل” يجلس صامتاً عند الباب (…) سألته أيّ أسمائه أحبّ إليه؟ قال: كلّها عندي سواء، إبليس، الشّيطان، أهريمان، عزازيل، بعلزبوب، بعلزبول، (ليليث، أزاموس، لوسيفير) قلت له: إنّ “بعلزبوب” تعني في العبريّة سيّد الذّباب و”بعلزبول” سيّد الذّبالة.. فكيف لايكترث بالفرق بين الأسماء؟!..
وللمفارقة التي يصنعها الاسم بتناقضه الصّارخ مع حامله وسلوكه، حضورها المعبّر، كأن يكون اسم أحدهم “شريف” وينقصه الشّرف أو “سعيد” وشخصيّته متطيّرة، أو لقبه “أبو المجد” ومجده مبنيّ على الجماجم والأنين، وذاك الموصوف بالشّجاعة وهو مثال الانتهازيّة، والفساد، والجبن، وقد قالها  نلسون مانديلا  يوماً مجبولةً بمواقفه الصّلبة والنّبيلة، ضد الظّلم والعنصريّة: “الشّجاع يموت مرّة واحدة والجبان يموت آلاف المرّات”  وهاهو شاعر يُدلي بدلوه، أيضاً معبّراً بطريقته عمّا نقصده: (لأنّكَ مليءٌ بالسّقوط، سأُحصي العلوّ فيكَ).
هي دروس الحياة بوفرتها، وأخلاقها الفطريّة العالية، تعلّمنا الكثير. لكنّنا لا نتعلّم!!..بل نأخذ بما يتناسب وعطالتنا الفكريّة وتسطّحنا المعرفي، والأخلاقي، سائرين كالمسرنمين على صِراطٍ عبّدته المقولات الجاهزة، وخطّته عقائد ومسلّمات تحتاج للكثير من الغربلة والنّقد الموضوعي، فهل ثمّة من يسمع أو يرى! تحكمنا الذّهنيّة النّقليّة الغافية على الحرير، وأيّ حرير؟!.
مرّتْ سنوات قبل الميلاد وقرّر أحدهم بأنّ الوقت قد حان لكسر طقوس المهرجانات الوثنيّة التي تحتفل بالانقلاب الشّتوي، حيث تقع الشمس بأبعد مسافة لها عن الأرض ولم يكترث “الكتبة” بالاحتفال بولادة الشّمس المصادفة في /25 /كانون الأول وقرّر مجلس الكهنة بأنّ مهرجان الشّمس يهدّد الإيمان لذلك تنادوا لمحوه من الذّاكرة، وها نحن نحتفل بالقدّاس المجيد في نفس التّاريخ من كلّ عام.. كما مُسِّحتْ طقوسٌ كثيرةٌ وثقافاتٌ منها، طقوس تكريم الإله “أودين” عندما كان طفلاً، حيث كانت القبائل الألمانية تضع الهدايا حول شجرة البّلّوط ليجدها الأطفال وكانوا يعتقدون بأنّهم يدخلون البهجة بذلك إلى قلب الإله الوثني.
يقول الرّوائي اللّاتيني “كويللو” على لسان إحدى شخصيّات رواياته (هل تظنّين أنّ الحضارة والعلاقات الإنسانيّة وآمالنا وغزواتنا كلّها نتاج قصص محرّفة أخرى؟ (….) لاتهمّ معرفة ذلك، إذْ يبذل النّاس كل ما بوسعهم كي لا يتذكروا ولا يقبلوا الإمكانيّات السّحريّة الهائلة التي يملكونها،لأنّ ذلك سيصيب كونهم الصّغير الأنيق بالبلبلة والاضطراب) هل أقصد شيئاً، هل أقصد كلّ شيء؟!.
من أقفل باب الاجتهاد؟ من حنّطَ النّصوصَ في الكتب الصفراء لتغدو أجوبتنا الحاضرة والمستقبليّة كلّها في الماضي، من أطفأ جذوة الفكر العلماني لتترعرع بذور الفكر الظّلامي في تربتنا الغنيّة بكلّ إمكانيّات التّنوّع والاختلاف، ولنغرق في كلّ هذا الدّم..ومن ..ومن..؟!
سُئلَ متصوّف قديم من هم معلّموه؟ فأجاب كثر ولكنّه يذكر منهم ثلاثة: (لصٌّ، كلبٌ، طفلٌ). لصّ فتح له قفل الباب بلمح البصر وكان عائداً إلى بيته عند منتصف الّليل بعد رحلة مكابدة وتأمّل معرفي في الصحراء وقد أضاع مفتاحه، فكافأه باستبقائه في ضيافته مدّة من الزّمن كان الّلص خلالها يذهب إلى عمله بمثابرة كل صباح ويعود ليلاً خالي الوفاض وسعيداً، فيسأله المتصوّف إن كان قد وفّق في عمله فيجيب أنّه يأمل ذلك في الغد، وكثيراً ما أفاد هذا التّصميم “متصوفنا” في تأملاته وإشراقاته الرّوحيّة.
وفي صيف لاهبٍ، بينما كان يسير باحثاً عن الماء شاهد كلباً يلهث من شدّة العطش واقفاً على حافّة بئر، ينبح ثمّ يختفي ليعود ثانية نابحاً بشدّة وناظراً إلى الماء، لكنّه بآخر مرّة عوى عواء شديداً حتى تقطّع صوته وهجم على الكلب الآخر الذي كان يتهددّه “صورته المنعكسة” ثمّ لم يعدْ ثمّة لا كلب ولا نباح، وبليلة ظلماء بينما كان يعبر الطريق بمحاذاة الجامع رأى طفلاً يحمل شعلة بيده وكان يخشى عبثَ الأطفال بالنّار، فسأله يا بني، هل أنت من أشعلها؟ قال الطفل نعم، فسأله ثانية وهل تعرف من أين تأتي النّار المبثوثة في حناياها؟! انتظره الصّبي حتّى اطمأنّ إلى وقاره وحكمته، ثمّ ضحك بعذوبة وأطفأ الشّمعة قائلاً: يا شيخي الجليل، والآن، هل تعلم أين ذهبت الشّعلة المبثوثة في حناياها؟!.
أوس أحمد أسعد