ثقافة

ملتقى الجلاء للفنانين التشكيليين الشباب: نيسان يشهد على بلاغة العاطفة والجمال

يحتفل الفنانون التشكيليون الشباب بطريقة مختلفة ومبدعة، فقد تعارفوا ضمن ملتقى الجلاء التشكيلي الذي تقيمه وزارة الثقافة احتفالاً بعيد الجلاء، مجموعة من المبدعين الشباب المدهشين بتجاربهم المتنوعة مابين نحت ورسم وجلّهم من الفنانين المتميزين الذين أكدوا خلال ملتقيات سابقة كفاءتهم وقدرتهم المبدعة على إنتاج أعمال ذات قيمة كبيرة، واستطاعوا قبل هذا الملتقى أن يقنعوا بمشاريع الأعمال التي قدموها للجنة القائمة على الملتقى ويتم اختيارهم من بين مجموعة واسعة من الفنانين المتقدمين، وقد قامت “البعث” بالتواصل معهم خلال فترة أعمال الملتقى في رحاب قلعة دمشق التاريخية، وبعد إنجاز القسم الأكبر من اللوحات والأعمال كان لهم رأي في هذا الملتقى وفي رمزية أعمالهم المحتفية بالجلاء وقيمه، حيث أكدوا على عظمة المناسبة وأهمية أن يتلاقى كوكبة من الفنانين الشباب يوحدهم حب يعيشونه في ظروف غير عادية تمر بها بلادهم، ما يتطلب منهم بلاغة في العاطفة والحماسة لفعل خلق جميل ولائق بما يحبون وينتمون إليه.
النحت:
المجموعةْ تألفت من أربع فتيات واثنين من الشباب الذكور، نفذت أعمالهم على خشب السرو وقارب بعضها 2 متر في الارتفاع وبمجموع ستة أعمال نحتية.
ومن المشاركين الفنان ثائر سليمان وهو نحات مجتهد كان قد شارك في ملتقى نحتي سابق رعته وزارة الثقافة  بعنوان “إبداعات شابة” في العام الماضي، قدّم في هذا الملتقى صيغة جديدة متمثلة بفكرة الفينيق، الطائر الأسطوري الذي يولد من جديد ويبعث إلى الحياة  في رمزية ترمي إلى هذه البلاد التي لاتموت ولايموت فيها الخير والجمال.
وقدّم الفنان ربيع قرعوني من وحي الجلاء عملاً نصبياً يمثل طائراً يتعالى رافعاً علم الوطن في إشارة واضحة إلى قيمة الراية وقدسيتها وتأكيداً على حرية بلادنا واستقلالها، تميزت تجربة الفنان في هذا العمل بالكفاءة العالية والسيطرة على المشغول، فكان يقود ولادة العمل الحقيقية بحرفية النحات العارف والخبير بالفراغ الذي سيشغله العمل النحتي، فجاء مستقراً وثابتاً لا مجال فيه لأي حالة من الوهن.
وكان لـ سيلفانا الريس وديما سليمان نصيب كبير من الإشارة هنا بما قدمتاه من فكرة وتنفيذ، حيث يشترك العملان بالتسامي والجموح وهي الهيبة الغالبة عند معظم الأعمال النحتية.
أما النحاتة نسم عبود هذه الشابة التي استطاعت أن تغني مجموعة الأعمال النحتية وترفع من السوية العامة للأعمال بعملها الذي أنجزته، فقد كانت موفقة إلى حد كبير في إيصال الفكرة “الماكيت” بكل زخمها، ببلاغة عالية من التنفيذ، وهي النحاتة التي تميل نحو أشغال الطين أكثر وتروق لها مغامراته الفنية، جسدت هذه الفنانة المكتملة الخبرة والمتيقنة من فكرتها المناسبة لهذه الاحتفالية بأن قدمت عملاً على شكل مسلة مستفيدة من مفهوم المسلة في الحضارات القديمة حيث تعبّر عن العمق الحضاري والتاريخي، خاصة أن المسلة لها من القيم ما يجعلها رمزاً ونصباً محملاً بأدبيات الميثيولوجيا، فكان عملها مؤلفاً من ثلاث منصات معمارية مثل المرأة السورية بجمالها وعظمتها لما سجله التاريخ من ملكات وآلهة، وفي الأعلى النسر السوري التاريخي المعروف كرمز وشعار، هذه المحمولات ترتكز على المنصة الأولى الحاملة للعمل والمكتظة بالأجساد والشخوص التي تحمل هذا المجد الكبير “الوطن” المرمز برحم الحضارة الإنسانية –الشمس- التي تسطع نوراً وسلاماً على الكون.

التصوير الزيتي
وللتصوير الزيتي مساحة مكتملة من الجهد والخبرة التي قدمها مجموعة الفنانين: ضحى الخطيب– إياد الحموي– حسان فضل الله جربوع– صبا رزوق– روان غرز الدين– جهيدة البيطار وسامي الكور. وقد تنوعت أعمالهم التصويرية بين الواقعية والواقعية التعبيرية والانطباعية وأعمال التصوير المشغولة بفلسفة الحفر “الغرافيك” وأعمال مشغولة بروح عمل الكتاب الذي برعت فيه الفنانة المجدّة ضحى الخطيب، التي استلهمت من مجموع الشخصيات الوطنية التي صنعت مع جموع الشعب السوري مفخرة الجلاء، فجاء عملها حكاية بصرية مرادفة لحكايا البطولات التي نعرف عن الجلاء، وقدم الفنانون وبتنوعات مختلفة من الرؤى الفنية والطروحات البصرية نصوصاً تتلاقى في الموضوع المشترك، وهو المناسبة الحدث، ويتحاورون،  كل من زاويته المعرفية والفنية من خلال أعمال تبعث بروح الألق والاحتفاء والبهجة، فالبعض صور مدينة تتعانق في سمائها الكنائس مع المآذن، والبعض الآخر خاض في غمار مختلف في المعالجة من خلال رسم مجموعة من الخيول بطرق غرافيكية ملونة وللنسخة الواحدة “التيبو غراف”.
وتفرح عين المتابع لأعمال الفنان الشاب والمثقف حسان جربوع في مغامرته اللونية واعتنائه بالجمال المحض القائم على المتعة والإدهاش وولوج عوالم السطح المستوي من خلال إيقاعات ملونة برقص من العاطفة والعفوية المدروسة بالخبرة وروح التأليف البصري الواسع.
تشترك أعمال الفنانين بوضوح الروح الجماعية المتحاورة التي تجمع الفنانين، فنجد تعدداً في الأساليب وتنوعاً في الزوايا التي صورت وتناولت جمالياً حالة الفرح التي يعيشون ويعبرون عنها، وقد اجتمع الرأي فيما بينهم على أهمية الملتقيات لما تمثله من فرصة للتعارف والحوار والكشف عن طرق وأساليب الآخرين من زملائهم الفنانين، مما يشيع حالة جديدة من المعرفة لم تكن تتوفر في المرسم، فضلاً عن أن مكان الملتقى المفتوح على الضوء والنهار والسماء والمدينة التاريخية، خلق حالة من التوافق والانسجام وأضاف قيماً جديدة تغني من مجموع الألوان التي يتفاعلون مع حيواتها الفيزيائية الخلاقة بحدسهم وخبراتهم المتدفقة شباباً وحماسة وتوثباً نحو البهجة والجمال والفرح الذي يشغلون ويتأملون، رسالة بمساحة الوطن الذي يعتزون بانتمائهم له عزيزاً قوياً ومبدعاً.
أكسم طلاع