ثقافة

البيانو لغة الحياة بكل ما فيها ساندي بل نخلة: محاولات المؤلفين الموسيقيين مستمرة لتقريب البيانو من الجمهور

أجمل تشبيه قرأته عن آلة البيانو أنها تشبه لحظات الفرح والحزن في الحياة من خلال مفاتيحها البيضاء والسوداء، إلا أن عازفة البيانو الشابة ساندي بل نخلة ذهبت إلى أبعد من ذلك حينما شبهتها بالحياة بكل ما فيها، وقالت في حديثها للبعث: “إنها رمز لصراع التناقضات، إنها لغة الين واليانغ في اللغة الصينية، وتعني الليل والنهار، وأتمنى من خلال مشروعي الموسيقي ألا ينظر الناس إلى آلة البيانو على أنها حالة انعزالية نربطها بالوحدة، والحزن، والظل، فعلى العكس تماماً، إنها آلة تتسم بالحسّ الجماعي، وتقودنا إلى حالة عشقية”.
وفي الآونة الأخيرة دخلت آلة البيانو ترنيمة المجتمع، وغدت جزءاً من الحراك الموسيقي بعد أن كانت على المدى البعيد موجهة للنخبة، ولشريحة المتخصصين، لاسيما بعد عودة الدكتور غزوان زركلي، وتكوين فرق صغيرة شغلت مساحة في الأمسيات، وكان لآلة البيانو دور فيها، ما قرّبها من الجمهور، فبدأت حديثي مع ساندي بل نخلة عن علاقتها بآلة البيانو، وخصوصيتها بالنسبة إليها، فأجابت:
شيء ما شدني إلى هذه الآلة من خلال عشق والدتي لمفاتيحها، فتعلمت منذ الصغر في المركز الثقافي الروسي، وتتلمذت على يد مجموعة من الخبراء الروس، من أشهرهم تاتيانا لوكينوغا، ثم تابعت دراستي في المعهد العالي، بإشراف الأستاذ فلادمير زاردستيكي، وشاركت في حفلات المعهد وأنا طالبة، ومما ساعدني مشاركتي في حفلات المركز الثقافي الروسي، كما عملت مع خبراء ايطاليين، وروس، وانكليز، وألمان، وبعد التخرج قدمت حفلات صولو كعزف منفرد، إضافة إلى مساهمتي بموسيقا الحجرة مع عازف الكمان ابان زركلي.
أما عن خصوصية آلة البيانو فبرأيي أنها تختزل كل الموسيقا، إنها اوركسترا مجموعة في آلة، فإمكانية الصوت متطورة جداً، وكبيرة، وخياراتها واسعة جداً، لذلك أغلب المؤلفين العالميين كتبوا للبيانو، حتى الذين لم يكتبوا بشكل منفرد لها، كانت لهم تجربة كتابة لموسيقا الحجرة التي يكون البيانو فيها آلة صولو مع اوركسترا، أو آلة مرافقة لثنائية، أو ثلاثية، ومن هنا نعرف أهميتها.

آلة البيانو ليست منعزلة
ثم تابعنا حديثنا عن التطور الذي طرأ على آلة البيانو من خلال ورشات العمل التي يقوم بها المعهد كالتجربة التي قدمها طلاب د. غزوان زركلي على خشبة مسرح الحمراء، إضافة إلى الفرق الصغيرة التي شاركت بتكوينها آلة البيانو مع التشيللو، والكمان، كما في تجربة ساندي بل بورشات عمل أهمها مع مونيكا لونيرو، وأضافت: البيانو موجود، وأعتقد أنه لم يكن بعيداً عن الجمهور، لكن الإعلام لم يكن يعنى بمتابعة الحفلات، فرغم أسفار الدكتور غزوان زركلي، إلا أنه كان يقوم بحفلات نوعية في المراكز الثقافية، ومع وجود المعهد العالي، ومن ثم دار الاوبرا، وانتشار الفضائيات، بدأت مساحة الإعلام تتسع، وتختصر المسافة بين هذه الآلة والجمهور، ومن موقع عملي كعازفة ومدرسة في المعهد أؤكد التطور الذي حصل على نشاط آلة البيانو بعد أن تسلم د. غزوان زركلي رئاسة القسم، وهو قامة موسيقية كبيرة، فهو أكثر شخص أسس قاعدة لمشروع عازف البيانو السوري، ويسعى دائماً لتكون هناك مشاركات للطلاب لتشجيعهم على خلق تيمات، ومشروعات جديدة كي لا تكون آلة البيانو منعزلة ضمن الوسط الموسيقي.
أما عن مشاركة البيانو في الفرق الصغيرة، فقد قرّبها ذلك من الجمهور، وهذا شيء طبيعي، لأن آلة البيانو سلسة أكثر من غيرها، ووجدت لتكون آلة صولو، لكن محاولات المؤلفين مستمرة لتقريبها من الجمهور، ما جعلهم يدمجونها مع بعض الآلات، ومن المعروف أن الشعب السوري اجتماعي، ومحب للآخر، لا يحب العزلة أو الوحدة، لذلك يفضل وجود أكثر من شخص على المسرح، وهذا النوع من الحفلات عرّفهم إلى خصوصية الآلة، وخاصة البيانو.

العزف مع الغناء الاوبرالي
وحالياً تتابع ساندي بل مشروعها الموسيقي، وقدمت تجارب مميزة، بعيداً عن ورشات العمل، أجملها اشتراكها مع رنا حداد بأمسية للعزف والغناء الاوبرالي، وتحضّر لأمسية جديدة تجمعها مع آلة الباصون، بمشاركة العازف طوني الأمير لأول مرة في سورية، وسألتها عن خصوصية هذه التجارب بالنسبة إليها فقالت: أردت تقديم مشروع اوبرالي غنائي بعيداً عن التمثيل، فمن المعروف أن الاوبرا عمل مسرحي مغنى، وكانت فكرتنا أن نركز على الغناء الاوبرالي كونه يمثل نوعاً غير مألوف، لأن مقطوعاته مكتوبة باللغات غير المتداولة من قبل كل الشرائح مثل: الألمانية، والايطالية، والفرنسية، والروسية، وهذا ما أبعده عن الجمهور، فاخترت مجموعة آريات، وهي قصائد غنائية معروفة في وسائل الإعلام مثلاً لفيردي وبوتشيني، وأعدّ هذا المشروع جزءاً من مشروعي الموسيقي.. أما عن خصوصية آلة الباصون فأعتقد أن الجمهور سيحبها، لأنها ستدرج ضمن برنامج دار الاوبرا لأول مرة مع آلة البيانو، وهي آلة خشبية تتسم بصوت عريض ودافئ، وليس صارخاً مثل صوت الآلات النحاسية، وبمعنى آخر هي تشبه آلة الفلوت، والكلارينيت، لكن بطبقة منخفضة تشبه صوت الآلتو في الغناء البشري، وسنعزف مقطوعات كلاسيكية، وفردية.

البيانو يثري المشهد الدرامي
وتابعنا الحديث عن جمالية آلة البيانو الساحرة التي جعلتها أداة أساسية في موسيقا كلاسيكيات السينما المصرية في الستينيات، وفي الآونة الأخيرة دخلت نغماتها في عدة أعمال درامية، واعتمد عليها بشكل أساسي في فيلم “هالة والملك”، بمشاركة العازف إياد جناوي، وسألتها إذا كانت آلة البيانو تستطيع ملامسة مشاهد العنف والقسوة في الأعمال التي تجسد ملامح الأزمة، فأجابت: إمكانيات آلة البيانو متنوعة، وتملك القدرة على التعبير عن أكثر المشاهد عنفاً، ومن الضروري أن تقوم بإثراء المشهد الدرامي، سواء أكان في السينما، أم التلفزيون، أم المسرح.
وفي نهاية حديثنا شكرت ساندي بل نخلة دار الاوبرا التي قدمت الفرص للعازفين، وأسست للثقافة الفنية، فأصبح الذهاب إلى دار الاوبرا طقساً يومياً، أو أسبوعياً، وخلقت حالة شوق ولهفة لمتابعة جميع الفنون، وأضافت: جميع الفنانين الشباب انطلقوا منها، لقد احتوتني، وشهرتني، ومن خلالها سأتابع مشروعي الموسيقي، وأشارك في الحفلات، وأحلم بالعزف في كافة أنحاء العالم.

ملده شويكاني