اقتصاد

نقطة ساخنة فانتازيا من وحي الواقع

في غمرة معاناة المواطن “العادي” اليومية عند زحفه نحو لقمة عيشه، تتزاحم أفكاره السوريالية التي يستحضرها العجز عن تغيير المعادلات الوضعية الجديدة، للبوح بما لم يبح به، وقول ما لم يقل، أو قيل ولم يفصّل فيه.
ولحسن الحظ أن المواطن لديه متّسع من الوقت يومياً في هدر عشوائي للزمن يمكّنه من التأمل دون دراية بتفاصيل “اليوغا” ومستلزماتها الروحانية، ويكفي أن ينسج في مخيّلته فانتازيا آنية تهوّن عليه وقع معاناته اليومية، فلديه الفرصة عند انتظاره ليجد له مكاناً في حافلة ركاب توصله إلى وجهته، ولديه الوقت للتأمل عند انتظاره أمام الأفران حتى يأتي دوره “العشوائي”، أو في أروقة المؤسسات التي يمكن أن يحفظ مساحتها الكلية إذا ما أوقعه حظه العاثر -وما أكثر تكراره- بين يدي موظفة من ذوات “الأنوف” العالية، أو موظف من طراز /V I P/.
أما الزمن المهدور يومياً من عمر هذا المواطن دون حساب، فيمكن تجييره لمصلحة خيال خصب يفتح أمامه مساحات من الأمل عبر بوابة الحلم، ويتخيّل أن معظم مديري المؤسسات من صنف الشرفاء، وأن يكون هناك فرص عمل للعاطلين وللمتعطلين، وأن ترتفع إنتاجية العامل السوري، وأن تتوقف المؤسسات عن الهدر، وأن يلجم الفساد، وأن يتم تعويم الكفاءات بدلاً من المتسلقين، ويمنع وصول هؤلاء على حساب الخبرات التي هجر معظمها البلد، ومن بقي منها نراه قابعاً في ظلمة أرشيف ينفض الغبار عن خبراته، أو تُستغل طاقاته التي تذهب هدراً في عتمة ثقل ظل جاهل وصل إلى الكرسي، وأن تتحوّل الدوائر إلى خلايا عمل.
لكن هل يمكن أن نتخيّل مضاربي العقارات يفكرون بمصلحة من فقد بيته أو محتاج إلى السكن دون استغلال حاجته؟ أو سائق حافلة أو سائق تكسي لا يلهث وراء استغلال ركابه، أو يرى تاجراً خاسراً بسبب “إنسانيته” كما يدّعي، وهل يمكن أن ينتشر الاحترام والرأفة بين تجار الأزمة؟ وهل يمكن أن نرى أي مخالف يحاكم علناً وينال عقابه مهما علت مراتبه؟، وهل يمكن أن نفاجأ ذات صباح بتراجع حاد للأسعار واستقرار لصرف الدولار؟ وهل يمكن؟
في معظم الأحوال الفانتازيا لا تحكمها القوانين، وفي النهاية يخرج المرء بأن المؤسسات هي الأشخاص، والأشخاص هم ثقافة، والثقافة نتاج طويل الأجل، أي إن البذرة أنتجت هذه الثمرة، ما يعني أن إعادة تنظيم المرحلة تحتاج إلى البدء من أول السلم، ولن يكون هناك اقتصاد أو تربية أو بيئة أو سياحة أو غيرها إلا إذا كانت هناك تنشئة جيدة، ورغم أن الألم يسبق الأمل في كل عثرة يتعثر بها المواطن، يبقى الخيال خصباً يجود بملامح وضّاءة لمستقبل فاته، علَّ أولاده يستدركونه من بعده!.
سامية يوسف
samiay@gmail.com