لولا دمشق..

يحقّ لسورية والسوريين القول جازمين: إن التاريخ سيشهد على أننا الدولة التي على عتبات صمودها غيّرت العالم، وأن الغالي من دماء أبنائها رسم حدوده الجديدة وشرايين طاقته العالمية، وكما شئنا وشاء الأصدقاء..، لا كما رغب إرهاب الغرب والأعراب..
قبل بضعة أيام توّج الأصدقاء الروس والصينيون، وبعد عشرة أعوام، مفاوضاتهما باتفاق قضى بتزويد روسيا الصين بـ38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً على مدار 30 عاماً بدءاً من عام 2018، وبسعر تجاري بقي طيّ الكتمان.
الاتفاق الذي أثار الكثير من الاهتمام والامتعاض لدى عدد من الدول، لم يكن لأنه وصف بالأضخم في تاريخ الطاقة عالمياً فقط، لا بل إنه يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية غاية في الأهمية، ولعل أولها توقيته المرتبط بالأزمة السورية، وما تعني سورية بموقعها الجيوسياسي بالنسبة لترانزيت الطاقة العالمية وخاصة النظيفة منها، وما يعني بدوره للاقتصادات الأوروبية والتزامها بالتطبيق، وأثر هذا في تحقيق معدّلات نموّها الاقتصادي والصناعي..
هذا الاتفاق الضربة الثالثة لرأس محفل “أصدقاء سورية”، لم يكن الأول بل سبقته ضربتان لا تقلان وجعاً، وهما توقيع اتفاقية مشروع خط أنابيب غاز الصداقة، الإيراني – العراقي – السوري، بطول 5600 كيلومتر لنقل 110 ملايين متر مكعب من الغاز الإيراني يومياً عبر العراق وسورية إلى البحر الأبيض المتوسط ثم إلى أوروبا.
وبعده حجر الأساس لـ”مشروع السلام” الذي وضعه الرئيسان الإيراني محمود أحمدي نجاد والباكستاني آصف علي زرداري، لأنبوب نقل الغاز من حقل “بارس” الضخم في جنوب غرب إيران إلى منطقة “نواب شاه” بالقرب من كراتشي على الساحل الجنوبي الشرقي لباكستان ماراً بأراضي ولايتي السند وبلوشستان الباكستانيتين، بطول يبلغ 1800 كلم وبتكلفة إجمالية تقدّر بنحو 7.5 مليارات دولار..
وقد تم إنجاز مدّ الأنبوب في الجانب الإيراني بطول 1220 كيلومتراً، بينما يبلغ طول أنبوب الغاز في الأراضي الباكستانية 780 كيلومتراً، ومن المقرر إنجازه بمشاركة إيران خلال عامين، إذ ستوفر إيران نحو 21.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً إلى باكستان لمدة 25 عاماً، ما سيمكّن الأخيرة من توليد ما بين 3 – 4 آلاف ميغاواط من الكهرباء..
وإذا ما أردنا استشراف المشهد العام العالمي لخطوط إيصال الطاقة النظيفة ومراكز إنتاجها والدول المنتجة والمستهلكة لها، التي سيكون لشرق المتوسط وسواحله الحضور الصادم، واتصال هذا بمشروع خط غاز “السيل الجنوبي” الروسي الموازي لخط “السيل الشمالي”، إضافة إلى خط الغاز العربي القادم من مصر..
إذا ما تخيّلنا المشهد بعد اكتماله، سنفهم لماذا كل هذا الكم من التدمير والاستهداف لسورية ولمحور الطاقة المقاوم، والهدف من “الفوضى الخلاقة” ومشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير..
فهم لا يتعامى عنه إلاّ متآمر يبيع مجد وطنه، تاريخاً ومستقبلاً، في سوق نخاسة العمالة، على حساب سوق من الثروات كرّمنا الخالق بها لنكون روّاد الحضارة والرسالات، ويكون الإنسان فيها سيداً حراً لها، يوظفها في رفاهيته ورفاهية شعوب المنطقة والعالم على أساس المصالح المشتركة، التي تخدم نهضة المواطن والأوطان، وليس لتدميرها.
وهنا وبما تسمح به المساحة نذكر بقول الشاعر الماثل اليوم:
“لولا دمشق لما كانت طليطلة.. ولا زهت ببني العباس بغداد”
فما أشبه اليوم بالأمس.
قسيم دحدل
qassim1965@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى