في رسالته للمخرج الايطالي مايكل أنجلو أنتونيوني رولان بارت: الفنان يعرف أن معنى أي شيءلا يشكّل حقيقته

يمكن للفنان أن تكون نظرته نقدية تجاه العالم، لكن هذه النظرة النقدية لن تكون اتهامية، لأن الفنان لا يعرف الضغينة، كما أنه الحداثوي بحكم عمله، مع أن البعض يعتبرونه حامل بيرق التجديد، ومنازلة العالم القديم، وخوضه المعارك ضد القيم الفاسدة، لكن الحداثوي من الفنان يكمن في صعوبة فاعلة للحاق بتغيرات العصر، ليس على صعيد التاريخ العام فحسب، بل عبر تاريخه الخاص، والصغير الذي يشكّل فيه وجود كل واحد منا معياراً.

هذه اليقظة المزدوجة التي يتمتع بها الفنان حيال العالم المعاصر، وحيال ذاته تجعل من إنتاجه جوهراً بحد ذاته، وهو بمثابة نقاط ارتكاز، وجذب أساسية، وليس انعكاساً لمادة، أو التزاماً أيديولوجياً محضاً، فتعامله مع المادة، والشكل باعتبارهما تاريخيين، وانشغاله بالمرحلة يختلفان عن انشغال المؤرخ، السياسي، والأخلاقي، فقد ورد في نص الرسالة التي بعث بها الناقد الفرنسي رولان بارت إلى المخرج الايطالي مايكل أنجلو أنتونيوني بمناسبة فوزه سنة 1979 بجائزة “أركيجينازيو الذهبية” الممنوحة من قبل مدينة بولونيا الايطالية، وقد نُشرت الرسالة في عدد مارس 1980 من مجلة “دفاتر السينما” الفرنسية ذائعة الصيت، وقد ترجمها الروائي العراقي برهان شاوي عن كتاب (مايكل أنجلو أنتونيوني) الصادر عن دار هانزر بالألمانية:
“إنك تتعامل مع المادة، والشكل باعتبارهما، أيضاً، تاريخيين، فالمآسي هي، كما قلت أنت، سيكولوجية، وتشكيلية في آن، أما المجتمعي، السردي، والعصابي، فما هو سوى مستويات، أو متوافقات، مثلما يُقال في الألسنية، لعالم كلّي يشكل مادة لجميع الفنانين: هناك تعاقب، وليس تراتبية، في المصالح، بدقيق العبارة، لا يتطور الفنان، على عكس المفكر، بل يكنس، كآلة شديدة الحساسية، التركة الجديدة التي يضعها أمامه تاريخـــه الفردي: عملك ليس انعكاساً جامداً، بل هو تموج تَمرُ عبره، بتوازن مع منحدر نظرتك ومتطلبات العصر، أشكال ما هو اجتماعي، أو انفعالي، وكذلك المستجدات الشكلية (على صعيد الشكل)، انطلاقاً من الصياغة السردية وحتى استخدام اللون.. إن انشغالك بالمرحلة يختلف عن انشغال المؤرخ، السياسي، والأخلاقـــي، فهو انشغال ذلك الشخص المثالي الذي يحاول رؤية العالم الجديد، انطلاقاً مـــن مجموعة نقاط محددة، لأنه يحب هذا العالم، ويرغب في أن يكون جزءاً منه، فيقظــة الفنان، والتي هي يقظتك، حبّية، يقظة الرغبة.
وما يسمى بحكمة الفنان لا علاقة له بالفضيلة بالمعنى التقليدي، بل بحسه الشديد الذي يميز بين الحقيقة والمعنى، فالفنان يعرف أن معنى أي شيء لا يشكل حقيقته، تلك المعرفة هي حكمة، يقول بارت: “بمقدور المرء أن يقول بأنها حكمة جنونية ما دامت تبعده عن الطائفة، وعن قطيع المتعصبين والمتهورين”، وما يسمى حكمة الفنان لا يتمتع بها جميع الفنانين، فالبعض منهم يجعل المعنى جامداً، وذلك بسبب انتسابه للواقعية، فالتعبير عن الواقع يكمن عبر مفردات لا تكون بالكامل واقعية، حينها تصبح الشهادة في الشعور الصحيح بالمعنى الذي لا يفرض ولا يلغى، هذا الجدل يمنح الفن رهافة كبيرة، فالطريق مفتوح أمام المعنى، وبالتالي مهمة الفنان هو الإنجاز الدقيق لهذا المعنى الذي يتطلع إليه العصر: لا عقائدي ولا مجرد من المعنى، وفي هذا السياق عن المعنى جاء في رسالة رولان بارت معلّقاً على بعض أفلام المخرج:
يتردد عبر أفلامك القصيرة الأولى عن منظفي مدينة روما، أو صناعة الحرير في منطقة “تورفيسكوزا”، وصفك النقدي للاستلاب الاجتماعي، لكن دون أن يمحي، بل يميل نحو شعور أكثر تأثيراً ومباشرة لصالح الأجسام العاملة أما فيلم “الكريدو” (الاعتقاد)، فمعناه الأقوى هو، إذا كان بمقدور المرء القول بلا يقينية المعنى، فضياع ذلك الرجل الذي لا يستطيع إثبات هويته في أي مكان، وكذلك غموض الاستنتاج الأخير (انتحار أو مجرد حادث)، يجعلان المشاهد يشك بمعنى الرسالة.. إن هروب المعنى هذا، والذي لا يعني اندثاره، قد أتاح لك هز الجذور السيكولوجية للواقعية: في “ديزرتو روسو” (الصحراء الحمراء)، لم تعد الأزمة أزمة عواطف، كذلك هو الأمر في فيلم “الكسوف”، وذلك لأن العواطف كانت ماثلة (البطلة تحب حقاً زوجها): كل شيء ينعقد ويُسبب ألماً في منطقة ثانوية، حيث تكون الانفعالات –ضيق الانفعالات- لكي يفلت من هيكل المعنى، والذي هو رمز الانفعالات، وفي النهاية تنقل أفلامك الأخيرة أزمة المعنى تلك، وتضعها في قلب هوية الوقائع (فيلم “انفجار”)، وفي قلب الأفراد، ففي العمق، هناك نقد، متواصل مؤلم، وضروري لتلك العلامة القوية للمعنى، والتي يُطلق عليها اسم المصير، إنك تعمل حتى يصبح معنى ما يقوله الفرد، ما يحكيه، ما يراه ويشعر به مُرهفاً، فتلك الرهافة، والتأكد من أن المعنى لن يتوقف بفظاظة عند الشيء الذي يُقال، بل يذهب دائماً إلى ما وراءه، بحكم افتتانه بما هو خارج المعنى، تلك الرهافة هي، كما أعتقد، ما يفتن كل فنان، فموضوع الفنان لا ينحصر بهذه التقنية أو تلك، بل بتلك الظاهرة الغريبة: التموج، فالموضوع المُمثل يتموج، على حساب العقيدة، أفكر بما قاله الرسام براك: “تنتهي اللوحة عندما تمّحي الفكرة”.
وليس للفنان من سلطة، لكنه يتمتع بعلاقة ما بالحقيقة، فعمله المجازي إذا ماكان فناناً عظيماً يلتقطه جانباً، لأن عالمه هو العالم اللامباشر للحقيقة:                 “إن فاعلية الفنان مُريبة، لأنها تزعج راحة وأمن المعاني القائمة، وكذلك لأنها باهظة الثمن، ومجانية في آن، ولأن المجتمع الجديد الباحث عن نفسه، عبر أنظمة شديدة الاختلاف، لم يحسم بعد أمر ما ينبغي عليه التفكير به، أي ما كان يُفترض التفكير به بخصوص البذخ، بأن قدرنا غير مؤكد، وعدم التأكد هذا ليس علاقة بسيطة ترتبط بالحلول السياسية التي يمكننا تخيلها في حالة تململ العالم، إنها تعتمد على هذا التاريخ الهائل، الذي يتحكم بطريقة بالكاد مفهومة، ليس بحاجاتنا، ولكن برغباتنا”.
وعن واجب الفنان يتابع:”أن يكون المرء فناناً اليوم، فهذا يعني أنه يجد نفسه في موقف لم يعد يرتكز على ذلك الاعتقاد الجميل الذي يخصه بوظيفة عظمى، قدسية أو اجتماعية، فهو ما عاد يقتصر على أخذ مكانه بهدوء في البانتيون (مجمع الأرباب عند القدماء) البرجوازي لمنارات الإنسانية، إنه واجب المرء، في كل لحظة من لحظات عمله، في مواجهة أشباح الذاتية الحداثوية في نفسه، ما دام أنه قد كف عن أن يكون قساً، وما دام الضنى الأيديولوجي، وسوء الوعي الاجتماعي، والجاذبية والنفور من الفن السهل، واضطراب المسؤولية، والتدقيق المتواصل الذي يشرخ الفنان ما بين العزلة، وغريزة التجمع قائمة”.
إعداد: أكسم طلاع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة