ثقافة

في ندوة “الثقافة الوطنية مستقبل سورية.. انتماء.. تسامح.. تشاركية” ثلاثية التجدّد على منبر الحوار… انتقادات للوقوع في فخ التنظير

لطالما كان ثمن الحرية والكرامة غالياً.. ثمن دفعه السوريون دماء أزهرت فلاً ورياحيناً، دماء طاهرة رسمت بلونها القاني مستقبل سورية، لأجل حرية سورية والانتماء لثقافة وطنية تربى عليها الجميع. والآن وسورية تتعافى من جراحها يأتي الحديث عن الثقافة الوطنية ومستقبل سورية في مقدمة الأولويات لأن تلك الثقافة بما تتضمنه من قيم التسامح والانتماء والتشاركية هي الضامن الوحيد للارتقاء بسورية، فكانت هذه المحاور موضوعاً للندوة التثقيفية التي أقيمت في دار الأسد للثقافة والفنون والتي حملت عنواناً كبيراً “الثقافة الوطنية مستقبل سورية” انتماء ..تسامح ..تشاركية والتي كان الحضور يأمل كما أملت أن تكون بحجم ذلك الصرح الذي احتضنها والحضور الكبير الذي غص به المكان وفي الحقيقة لا أدري إلى أي مدى يمكن أن يسهم العرض التاريخي الذي قدم في الندوة لأراء ومواقف وإنجازات لأجدادنا في حل المشاكل التي نعيشها اليوم، وكيف سنواجه الغد بمشاكله التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم ونحن مازلنا نتحدث بعقلية الأمس مع أن المطلوب حالياً الابتعاد عن التنظيرات والعمل لإعادة بناء ما هدم مادياً ومعنوياً.
قدم للندوة د. نزار بريك هنيدي معتبراً أن مناقشة الثقافة الوطنية في سورية المستقبل تعني أن سورية التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ قد صممت على تجاوز الأزمة التي أهرقت دماء الكثير من السوريين، ودمرت الكثير من البنى التحتية وأثرت على البنية الاجتماعية والديموغرافية والقضاء على الكثير من العادات والتقاليد التي عاشها السوريون متآلفين. ورأى هنيدي أن سورية ستثبت كما هي عبر التاريخ أنها الفينيق القادر على النهوض من تحت الرماد وصناعة المستقبل المنشود مؤكداً أن رسم سورية المستقبل لا يمكن أن يكون إلا من خلال إعادة صياغة ثقافتنا الوطنية بتعزيز مفهوم الانتماء والتعددية والقبول بالمختلف والتشاركية بين كل أبناء الوطن.
أما محاور الندوة فبدأها د. عاطف البطرس بالحديث حول الانتماء والهوية معيداً الانتماء إلى كونه غريزة فطرية ترافق الإنسان منذ تشكله الأول، مروراً بمراحله المختلفة وصولاً إلى الانتماء للوطن والقيم الإنسانية. واختار البطرس مضمار الشعر ليقارب مفهوم الانتماء من خلاله بالتركيز على بعض التجارب الشعرية منذ العصر الجاهلي والحديث عن المكان والانتماء للأرض ثم الانتماء للقبيلة الذي يمثل الانتماء  للوطن بالمفهوم الحالي. وانتقل البطرس بالحديث إلى العصور اللاحقة العباسي والأموي معتبراً أن الحديث عن الانتماء للتاريخ يفضي للحديث عن الإنسان والتاريخ وأن المستهدف الآن هو الوطن المراد تفتيته بتفتيت النسيج الاجتماعي والعودة به إلى ما قبل المدنية، والتحدي الأكبر اليوم تواجهه الثقافة الوطنية عبر مايسمى الثورة المعرفية القادمة من الخارج والتي تهدف لإشاعة نمط من الفكر والثقافة والسلوك الغريبة عن مجتمعنا.

التسامح وقبول الآخر
وتحدث  د. نذر العظمة في مفهوم التسامح وقبول الآخر وحملت مداخلته شيئاً من الضبابية بإغراقه في الحديث عن مكانة مصطلح التسامح من خلال تجارب بعض المفكرين العرب، محاولاً إسقاط ذلك على المراحل اللاحقة وتوقف عن تجربة الشاعر أبي العلاء المعري وتجربة ابن عربي. وغاص العظمة في مشاركته بالحديث عن الجانب الديني وتأكيد كل الأديان على التسامح كما تحدث عن أثر التسامح في تكوين مقاومتنا الوطنية للاحتلال الفرنسي. والنقطة الأهم التي وقف عندها العظمة هي بناء الدولة الوطنية لأن الحل الوحيد لكل مشكلاتنا الاجتماعية والسياسية يكون بمقاربتها بصورة عقلانية .

التشاركية حالة توافقية
كما تحدث د. مهدي دخل الله في محور التشاركية ممهداً له بالحديث عن جزء بسيط من التشاركية في سورية في المجال الاقتصادي بين القطاعين العام والخاص مؤكداً أنه جزء من التشاركية المطروحة منذ السبعينات  كمحاولة لإيجاد منهجية فلسفة عامة تكون بديلاً لما يسمى بالحداثة وهذا موجود في الغرب ولدى بعض دول المغرب كمفهوم. وعرض دخل الله للأسباب التي جعلت من التشاركية مسألة راهنة تقتضيها المرحلة معيداً ذلك لعدة أسباب منها أن العالم يعيش في أزمة بنيوية مستعصية منذ القرن 17 إضافة إلى أن الديمقراطية في العالم كله في أزمة، وكذلك التشاركية التي تعيد للفرد خصوصيته تحتاج إلى منهج نقدي مقارن منطلقاً من أن البشر هم من يصنعون تاريخهم. وحاول دخل الله تحديد مفهوم التشاركية موكداً قصور التعاريف عن تقديم تعريف جامع للمفهوم وركز على تعريف واحد يعتبر التشاركية عملية توافق مستمرة بين عدة أطراف حول أهداف محددة مع توزيع للمسؤوليات بدقة في إطار المسؤولية والشفافية والدقة. وكان أغلب ما قدمه دخل الله في مشاركته نقداً للحداثة مؤكداً أن التشاركية تمثل توجهاً  لما بعد الحداثة كما حاول تقديم بعض الأمثلة عن تجارب لتطبيق التشاركية.
وبعد انتهاء المحاضرين من نقاشهم لمحاور الندوة قدمت بعض المداخلات من الحضور أكدت أن ما طُرح في الندوة كان بعيداً عن العنوان ومن تلك المداخلات مداخلة رئيس اتحاد الصحفيين إلياس مراد الذي رأى أن المشاركات لم تقارب العنوان “الثقافة الوطنية مستقبل سورية” لأنها لم تقارب الخمسين سنة الحالية بل كان الحديث عن التاريخ والنظريات هو الغالب عليها. كذلك جاءت مداخلة د. سليم بركات في السياق ذاته حيث أكد على ضرورة التحديد الدقيق للمصطلحات وأكد بركات أن الحديث في الندوة كان جميلاً لكنه خرج عن العنوان وإذا أردنا تحريك العقول علينا أن ندخل الأزمة مباشرة.
حضر الندوة الرفيق د. خلف المفتاح عضو القيادة القطرية للحزب رئيس مكتب الإعداد والثقافة الإعلام والدكتورة لبانة مشوح وزيرة الثقافة ورئيسي اتحاد الصحفيين واتحاد الكتاب العرب.
جلال نديم صالح