احتفاظها بنسبة عالية من رأسمالها بالقطع الأجنبي كوّن لديها احتياطيات جيدة أرباح المصارف الخاصة من فروقات القطع “المتزايدة” تتطلب بيئة لاستثمارها أفضل استثمار

عمليات متقنة ومدروسة بعناية فائقة قامت بها إدارات المصارف الخاصة بتحويل نسبة عالية من سيولتها النقدية المودعة بالقطع الأجنبي، من خاسرة إلى رابحة باتباع عدة وسائل: إما بالشراء مباشرة أو بفرض إيداعات بالدولار أو اليورو أو الجنيه الإسترليني؟!.
وبذلك تحولت البيانات المالية الربعية والسنوية إلى أرباح –ودون مبالغة- لدرجة أذهلت كبار الاقتصاديين في المنطقة والعالم، على اعتبار أن الأرباح لا يمكن أن تعد في ظل أزمة خانقة تشغيلية، وفي الوقت ذاته لم ترد من تسهيلات ائتمانية لكون التسليف في أدنى مستوياته في سورية منذ عقدين من الزمن، فكيف وردت هذه الأرباح؟!، ولماذا تعدّ في الأصل ضمن قائمة الأرباح؟.

تذبذب الدولار
في البداية كان الكشف عن سبب تعاظم الأرباح الناتجة عن فروقات القطع بسبب تذبذب سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية على مدى عامين من الزمن بمعدلات تراوحت بين 40 إلى 45%، ليصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 330 ليرة واستقر لفترة طويلة نسبياً عند 250 ليرة قبل أن يتراجع إلى 176 ليرة.
تقييم إجمالي الأرباح بالليرة السورية سيظهر بيانات مالية مضخمة ليست واقعية بل وهمية، وما يهمّ المساهم بالمصرف ما يحقّقه من الأرباح الصافية. ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر المشعل إلى أن هذه الأرباح الناتجة عن فروقات القطع لا يمكن توزيعها، موضحاً أن البنوك والمصارف الخاصة في سورية حقّقت العام الماضي أرباحاً من فارق صرف القطع الأجنبي المتوفر لديها، رغم شح عمليات الإيداع؛ مقدمة تطرح استفساراً هنا، حول كيفية الاستفادة من هذه الفروقات؟!.
يرى المشعل في تصريح لـ”البعث” ضرورة إيجاد بيئة استثمارية بالتوافق مع الحلول السابقة بسعر الصرف، لتقوم البنوك حينئذ بعمليات التمويل بالليرة السورية لمن يريد الاستثمار بسوق المال، وكذلك إقراض الصندوق الوطني أو مشاركته لعملياته التجارية.

حقيقية أم وهمية..؟
الاستفادة الأفضل من تبدلات سعر الصرف تفرض البحث جدياً عن قنوات لتحقيق عائدات حقيقية لا وهمية لأن هذه الأرقام لن تتكرر، بل ربما تتحول إلى خسائر في العام الحالي، وذلك بسبب انخفاض سعر الصرف وتحسن الليرة.
ثمّة وسيلة أخرى إن استمرت المصارف الخاصة في سياستها “التحفظية” تجاه منح القروض والتمويل، حيث يعتقد المحلل المالي رامي العطار أن البنوك ستعمل لاحقاً على شراء الدولار، لكي تحقق أرباحاً متقاربة مما كانت عليه العام الماضي؛ غير أن ذلك ودون أدنى شك سيشكل ضغطاً جديداً على المركزي في سياسة التدخل التي يتبعها، إلا أنه وبالمقابل –حسب رؤية العطار- سينعكس ذلك على المصارف إيجاباً في سوق الأسهم بسبب توجيه المضاربات على أسهمها، وبالتالي سوف تتحول جميع المساعي لتحقيق أمان السوق المثالية لحركات المضاربة.

مقارنة نقدية
بالنظر إلى الشركات القيادية المدرجة في البورصة، نجد أسهم قطاع المصارف الأكثر تداولاً، وتحديداً التي أفصحت عن أرباح عالية، مثل مصرفي قطر الوطني– سورية، وسورية الدولي الإسلامي، وبإدراج سهم بنك الشام الإسلامي مطلع الأسبوع الفائت، يتوقع أن يصبح منافساً قوياً للمصرفين السابقين في عمليات التداول بعد إعلانه أرباحاً فاقت 2.3 مليار ليرة سورية العام الماضي مقارنة مع 347 مليون ليرة العام الأسبق و382 ملياراً نهاية العام 2011.
ولم يخفِ أحمد اللحام المدير العام للمصرف لـ”البعث” أن النسبة الأكبر من هذه الأرباح ناجمة عن فروقات القطع، مؤكداً وجود تحسّن ملموس في نشاط المصارف خلال العام الجاري سيؤدي إلى تحقيق أرباح صافية حقيقية لاحقاً، وغض النظر رويداً رويداً عن حسابات فروق القطع مع استقرار سعر صرف الليرة. لكن أرباح بعض المصارف ليست كلها ناجمة عن فرق قيمة القطع، فهناك أرباح ناجمة عن التشغيل مثل الإقراض والفوائد والخدمات التي تؤديها المصارف، وإن كان تحسّن الليرة السورية سيؤثر على مركز القطع البنيوي الخاص بالمصارف، إلا أنّه من ناحية ثانية، يزيد من أرباح شركات أخرى، لا تعتمد على فروقات القطع الأجنبي؟!.

تحسن الليرة
بالعموم يمكن القول: إنّ أرباح البنوك العاملة في سورية، زادت خلال الفترة التي شهدت ارتفاعاً في قيمة القطع الأجنبي، في حين تباين حجم الخسارة بينها بعد تحسّن وضع الليرة السورية، وذلك حسب كمية القطع الذي تملكه. وبيّن المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية الدكتور مأمون حمدان السياسات المتحفظة لمصرف سورية المركزي ومجلس النقد والتسليف، التي تسمح للبنوك بأن تحتفظ بنسبة كبيرة من رأسمالها بالقطع الأجنبي، كون لديها الاحتياطيات الكافية للتعويض عن القروض المتعثرة وتذبذبات سعر الصرف.
وجهة نظر مغايرة تماماً لرئيس جمعية المحاسبين القانونيين فؤاد بازرباشي ترى أن إيداعات البنوك لن تتأثر سلباً بانخفاض قيمة القطع الأجنبي مقابل الليرة السورية حالياً بعد أن شهد العام الماضي ارتفاعاً حاداً في سعر القطع الأجنبي، ما ساهم في تحقيق البنوك أرباحاً هائلة ناتجة عن فروقات القطع الأجنبي مقابل الليرة حتى صارت معظم أرباحها غير محقّقة.
وعن سبب عدم تأثر المودعين بذلك، قال بازرباشي: إن مجلس النقد والتسليف أصدر تعليمات عالجت موضوع تبدل أسعار الصرف، إذ يجب أن تدخل هذه التغييرات في قائمة الدخل، وهي بالتالي إما أن توزع كأرباح أو تتحمّل كخسائر، فإن كانت أرباح المصارف غير محققة بسبب ارتفاع أسعار الصرف فإنها لا تدرج في قائمة الدخل، وتدخل في بند حقوق الملكية، ولدى توزيع الأرباح على المساهمين تستبعد منه الأرباح غير المحققة، ولكن هذا بطبيعة الحال لا يعني ألا تدرج الأرباح غير المحققة في النتائج الأولية للبنوك، إذ لا يمكن تجاهل هذه الأرباح حتى لو كانت غير حقيقية، لكن المهم بالموضوع أن مجلس النقد أقرّ باستبعادها ومنع البنوك من توزيعها حتى لا تعطي بيانات مضللة.

نسب محددة
في جميع الأحوال وفي ظل الأزمة التي تمرّ بها البلاد، نرى أنه من الضروري أن يكون لدى البنك مخصصات جيدة من القطع الأجنبي بغرض تمويل المستوردات والمشاركة بإعادة الإعمار مستقبلاً واستيراد الآلات، فلذلك من الصعب تحديد ما يجب على البنوك فعله حالياً، وإن سماح المركزي للبنوك بالاحتفاظ بقدر معيّن من القطع الأجنبي زيادة على العملة المحلية يعود لوجهة نظر معينة في هذا الموضوع، وفي كل بنوك العالم يوجد قطع أجنبي وهذا شيء طبيعي، حيث يوجد إيداعات محلية وخارجية، ولكن هناك نسباً مئوية لقيمة هذا القطع يراقبها مجلس النقد والتسليف حسب حاجة كل مصرف على حده.
دمشق– سامر حلاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *