“الاقتصاد” بين التغيير واستعادة أداوتها الفاعلة تفعيل المحاسبة مُقدّم على ضخّ دماء جديدة.. وشواهد الواقع خير دليل

تدور في أروقة وزارة الاقتصاد هذه الأيام أحاديث حول تغييرات قد تطول بعض المفاصل التنفيذية فيها، بغية ضخ دماء جديدة وإعطاء زخم أكبر لسيرورة العمل، مصادر من داخل أروقة الوزارة أكدت لـ”البعث” أن وزير الاقتصاد يدرس استبدال عدد من الكوادر بأخرى أكثر كفاءة وتمتلك خبرات تتواءم مع طبيعة المرحلة من جهة، وتواكب التطورات العالمية من جهة أخرى.

مطلوب ولكن..!
لا شك أن التغيير مطلوب بشكل مستمر في أي كيان أو قطاع كان، سواء أكان عاماً أم خاصاً، خدمياً أم اقتصادياً، فمن شأن ذلك أن يفرز نتائج تتناسب مع طبيعة التغيير، ولكن ليس بالضرورة أن تكون إيجابية، فالتغييرات التي حصلت خلال السنوات الماضية الأخيرة، وطالت بعض المفاصل الحكومية، لم ينتج عنها ذلك التحوّل المنشود، بدليل أن المواطن لا يزال بين الفينة والأخرى رهن الأزمات المفتعلة من المنتفعين، وربما لا نبالغ بقولنا: إن هذه التغييرات رشحت عنها طبقة جديدة من الفاسدين بسبب تقليص دور الرقابة الحقيقية على حيثيات العمل وغياب مبدأ المحاسبة لاعتبارات يتعلق معظمها بما تشهده البلاد من فوضى عارمة، مردّها الرئيسي تداعيات الأزمة الحالية وما نجم عنها من عدم مبالاة أغلب الظن أنها مقصودة.
بالطبع إن مقصدنا مما سبق ليس الانتقاص مما ترنو إليه وزارة الاقتصاد أو النيل من توجّهها نحو الإصلاح الإداري، وإنما لفت الانتباه إلى التركيز على مبدأ النزاهة ونظافة اليد عند دراسة أي تغيير وخاصة إذا كان يطول مفصلاً تنفيذياً مهماً أولاً، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة الشفافة ثانياً، ولاسيما أن هذه الوزارة لاعب أساسي في رسم سياسات اقتصادنا الوطني الذي يعاني من تحدّيات لم يسبق أن واجهها خلال العقود المنصرمة.

الحل بالاستعادة
يرى بعض المراقبين أن التغيير الحقيقي الذي يجب أن يطول هذه الوزارة بالذات، يتمثل باستعادة أدواتها الفاعلة التي جُرّدت منها على مدى عقد من الزمن أو يزيد، وعلى رأسها المصارف التي خرجت من عباءتها إلى عباءة وزير المالية، ومن ثم تخليها عن الإشراف على مجلس النقد والتسليف، إلى جانب سحب هيئة التخطيط والتعاون الدولي لمعظم ملفات الوزارة في مجال التعاون الدولي مفرغة الوزارة من مهامها وأدوات عملها، فبعد أن جُرّدت الوزارة من هذه الأدوات الكفيلة بإعطائها زخماً أكبر -وخاصة في هذه المرحلة- باتت تُعنى بأحكام التجارة الخارجية ممثلة بالمؤسسة العامة للتجارة الخارجية، إضافة إلى المؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية، وهاتان المؤسستان تعانيان من قيود حدّت من فعاليتهما وأنشطتهما الخارجية والدولية نتيجة العقوبات المفروضة على سورية، وباتتا تبحثان عن مجال أكثر رحابة لتعزيز العلاقات الاقتصادية الدولية.
شلل
لم يبقَ للوزارة سوى ملف أحكام التجارة الخارجية الذي تعمل عليه الآن أما باقي مديرياتها فهي في شلل تام، ولاسيما بعد فصل وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك عنها، وفقاً لبعض المصادر التي اعتبرت أن إعادة تبعية المصارف العامة منها والخاصة إلى الوزارة كأداة رئيسة في تحقيق السياسة النقدية، وإشرافها على مجلس النقد والتسليف وجميع عمليات مصرف سورية المركزي وسياسة سعر الصرف، كفيلة بتفعيل استراتيجيتها وبرامجها في مجال تحسين ميزان المدفوعات وأداء الميزان التجاري ومعالجة اختلالهما، ما يمكنها بالتالي من المساهمة في تناسق السياسات التجارية مع السياسات النقدية والمالية، وسياسة سعر الصرف، إلى جانب وضع استراتيجيات وخطط وبرامج لتحسين أداء الميزان التجاري وتوازن ميزان المدفوعات، والقدرة على وضع خطة القطع الأجنبي المخصصة لاستخدامات القطاع العام بشكل شفاف وواضح وفق الإمكانات المتاحة لكل عام.

روافد جديدة
للأسف ينتاب كل مراقب لعمل الوزارة أنها باتت أشبه بالمنفذ لقرارات كثير من الوزارات ومؤسسات الدولة بدلاً من أن تكون قائدة للاقتصاد الوطني، ما يحتم ضرورة رفدها بأدوات جديدة مثل الجمارك، وذلك بهدف متابعة تنفيذ القرارات الصادرة عنها عن كثب، وخاصة أن هناك علاقة وطيدة تربط بين الجهتين، ولاسيما فيما يتعلق بأحكام التجارة الخارجية، إضافة إلى ضرورة إتباع المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب لها باعتبارها مؤسسة تجارية ذات طابع اقتصادي وليست مؤسسة إنتاجية تعنى بتسويق وتجارة الحبوب من خلال شرائها مادة القمح من الفلاحين وتسويقها وتوزيعها على مؤسسات التجارة الداخلية، بالإضافة إلى استيراد وتصدير هذه المادة عند اللزوم.

تشكيك..
كما أن خطط المعارض الخارجية أصبحت توضع –حسب بعض المصادر- وفق مصالح القائمين على المؤسسات وليس وفق مقتضيات المصلحة الوطنية في فتح الأسواق الجديدة والقدرة على النفاذ إليها، فمثلاً توضع خطة المعارض لدول لا يمكن النفاذ إلى أسواقها لأن منتجاتها شديدة المنافسة لمنتجاتنا الوطنية، ما يعني أن هذه الأداة تعاني خللاً يجب تداركه بأسرع وقت ويحتم إعادة النظر بهذا الموضوع ومعالجته ليتناسب مع مقتضيات المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى.

بكلمة..
نعتقد أن ما سبق يحتم إعادة النظر في دور الوزارة كلاعب أساسي بل قائد حقيقي لاقتصادنا الوطني، وأن التغيير المنشود فيها يجب أن ينصبّ على تفعيل أدواتها الحالية، ورفدها بأخرى تعطيها المرونة الأكبر بالتعامل مع مقتضيات المرحلة.
مشق – حسن النابلسي
دمشق – حسن النابلسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *