ثقافة

فيلم “الأم” بين العاطفة والسينما

نزل فيلم “الأم” إلى صالة سينما “سيتي” في انطلاق عروضه التجارية بعد مدة قصيرة من افتتاح الفيلم بدمشق في عرض خاص. وهذا بحد ذاته أي بدء عرض الفيلم تجاريا، هو خبر جيد باعتبار أن شباك التذاكر كان ولا زال واحدا من أهم المعايير التي تدل بجلاء إلى نجاح الفيلم السينمائي أم لا، كما أن عائدات الفيلم بعد طرحه تجاريا ستخفف عن المؤسسة العامة للسينما شيئا من الأعباء المادية، خصوصا في الظروف التي تمر البلاد بها،ومن المعروف أن المؤسسة العامة للسينما هي جهة إنتاجية رسمية معنية بالنهوض بالسينما وتأتي الاعتبارات المادية في مرتبة أدنى عندها أمام واجباتها في النهوض بالحالة السينمائية السورية كما أسلفت.
معيار كنا افتقدناه مقابل ربحنا لمعيار آخر لا يقل أهمية وهو الفوز بجوائز مهرجانات عريقة ومنها مهرجان طرق الحرير بالصين الذي فاز الأم بجائزته.
الأم الذي كتبه وأخرجه المخرج “باسل الخطيب” وأنتجته المؤسسة العامة للسينما هو الفيلم الثاني للخطيب في الثلاثية السينمائية التي بدأها بفيلم “مريم” وسينهيها بـ “أهل الشمس”. وهو أي الفيلم يحكي قصة امرأة ستينية تحيا وحيدة في قريتها، تموت ربما من الوحدة فلا سبب ظاهر أو خفي يؤدي إلى موتها، يصل خبر موتها لأبنائها الخمسة الموزعين في أماكن جغرافية مختلفة ،منهم من هو بدمشق ومنهم من هم في بيروت، ومنهم من هو في مناطق أخرى في أشارة رمزية إلى الجغرافيا السورية المقلقلة حاليا.
تبدأ رحلة الأبناء إلى القرية لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان أمهم قبل أن توارى الثرى، إلا أن مجموعة من الظروف تحول دون وصولهم في اللحظة المناسبة.
في الواقع سيجد المشاهد” الذي لن يغفل عن الربط  الرمزي الذي قدم به الخطيب الأم في كونها رمزا للوطن بعفوها ومسامحتها وبقسوتها المبررة أحيانا رغم انه اختار نهاية قاسية لها تتعارض ورمزيتها الوطنية باعتبار أن الأم في “الأم” تموت في نهاية المطاف”! سيجد نفسه –أي المشاهد- أمام قراءتين لـ “الأم” أما القراءة الأولى وهي الأكثر يسرا فهي القراءة العاطفية  العامة التي تعتمد منسوب المشاعر والأحاسيس التي تنتابها جراء تعرضها للعديد من المهيجات البصرية والسمعية والنفسية كمعيار لما شاهد، وكما أسلفت هذه القراءة هي الأيسر خصوصا وأن الفيلم جاء زاخرا بالمهيجات البصرية والسمعية والنفسية إن كان بالمناظر الخلابة التي تدور بجغرافيتها معظم أحداث الفيلم، والتي كنا قد شاهدناها سابقا في فيلم “مريم”، بيئة ريفية وديعة صباحات شتائية حالمة،وصور جميلة بجو لوني عام مائل للزرقة، أو بالموسيقيا التصويرية العذبة بغض النظر عن مواءمتها لأحداث الفيلم أم لا! فالموسيقى التصويرية التي وضعها “سمير كويفاتي” لا تذهب لتكون واحدة من المكونات السينوغرافية التي تخدم القصة بشكل مباشر، بقدر ما جاءت كمقطوعة موسيقية مستقلة، مزجت بين العديد من المقامات الموسيقية التي تطرب لها الأنفس،أيضا شخصيات مألوفة يعرفها المتفرج السوري ويحب إطلالتها الجميلة كالفنانات صباح الجزائري وسلاف فواخرجي وديمة قندلفت والفنان الذي قدم دورا بارعا عامر علي وآخرون.
إذاً اجتمعت عناصر الصورة الحسية وجه جميل وموسيقى عاطفية ومناظر طبيعية وسياقات يطرحها “الأم” بحالتها الوجدانية الصرفة دون مزيد عناية بتفاصيل كان يمكن لها لو أنها اشتغلت بشيء من الروية، أن تأخذ الحوار الذي جاء هشا بعض الشيء إلى مصاف أخرى في العمل السينمائي ،هذه العناصر باجتماعها كفيلة بإثارة عواطف المتفرج خصوصا في مناخ القسوة الذي نحيا بظلاله. أما القراءة الثانية فهي قراءة نقدية فيها خوض بشيء من التفاصيل.
لم يختلف المشهد في “الأم” عن سابقه “مريم” فالعديد من الوجوه الفنية التي قدمت “مريم” جاءت أيضا لتقدم “الأم” وبالرغم من أن الأداء جاء متقنا من أولئك الممثلين المحترفين إلا أنه جاء أداء تلفزيونيا ،ردود أفعال سريعة، مساحة اقل لإظهار القدرة والفرادة والتميز المطلوب في السينما.
ومن المستغرب فعلا أن تعمد السينما لاستعارتها النجوم التلفزيونيين إلا إن كان وجودهم هو لرفع سوية الفيلم، حيث عرف عن السينما بأطوارها أنها هي من تصنع نجومها وسيمضي وقت طويل على احترافهم السينمائي قبل توجههم للدراما التلفزيونية في حال توجهوا والسؤال هنا لماذا يعتمد “الخطيب” في أفلامه على النجوم التلفزيونيين؟ ومن المعروف أن النجم السينمائي يختلف بالمطلق عن النجم التلفزيوني إن كان في الأداء أو حتى في مفهوم النجومية نفسه، ففي حين النجم السينمائي هو نجم شباك التذاكر، من يأتي الناس إلى مشاهدته في صالات العرض، في حين النجم التلفزيوني هو نجم بحكم طول ساعات المشاهدة التي يراه فيها المتفرج.
كما سيشاهد المتفرج حضورا غير ذي قيمة مضافة للفيلم، لا من ناحية الأداء ولكن من ناحية الشخصية وطبيعتها، وذلك في دور يبدو مقحماً إقحاما على القصة وهو الدور الذي قدمته “فواخرجي”، فالشخصية التي يبدو ربطها بسياقات الفيلم ربطا ضعيفا وهشا وهي أيضا غير مفهومة، فما شأن الطفل الذي تحلم به “فواخرجي” وهو تائه في الخرائب وبين ألسنة اللهب وفي البيوت المهدمة، ما علاقته بالقصة؟وما شأن منطق ظهورها في الفيلم بمنطق الفيلم نفسه؟ امرأة يختفي زوجها في ظروف غامضة، ليعود ويظهر بعد مدة غياب طويلة ويخبرها بأنه تورط مع المجموعات الإرهابية، وانه نادم وبحاجة لعفوها ومساعدتها لكي يعود لجادة الصواب، لكن كرامتها ترفض أن تسامحه وتنقذه من المجموعات المسلحة التي ستقتله في حال انشقاقه عنها، لتظهر عدم مسامحتها له وكأنها مبرر له للذهاب ابعد في إجرامه حتى يصل به الأمر أن يُيسر للمسلحين أن يدخلوا قريته ويقتلوا أهله، في الوقت الذي يحكي “الأم” قصة أم- وطن -متسامح مع كل أبنائه حتى غير البررة منهم، في حين تظهر شخصية الزوج وكأن إرهابها جاء فقط من عدم مسامحة الزوجة التي ترمز للمجتمع هنا.
أيضا شخصية الابن البكر التي أداءها الفنان “سمير حسين” جاءت أيضا ملتبسة وغامضة، فهو على خلاف مع أمه دون أن نفهم السبب، حتى أنه يختلق الأعذار أو يضخمها كي لا يذهب ويحضر مراسم دفنها، كالحالة الأمنية التي لا تسمح بالسفر بين المحافظات.
فيلم الأم الذي جاء كتحية من الخطيب للأمهات عموما ولأمه بشكل خاص، لم يقدم هذه الأم إلا بصورتها النمطية التي سبق ورأيناها مرارا وتكرارا ،فالعبرات التي تجود بها الأم في “الأم” عن التسامح وضرورته والمحبة وعودة الألفة هي في الحقيقة عبرات مكررة حتى صارت كليشة تقليدية في البرامج التلفزيونية والراديو ونشرات الأخبار، ولم يقدم الفيلم زيادة عنها أي شيء مختلف وجديد، كما وان شخصية الأم التي شاهدناها في الفيلم تظهر بأشد مناظر البؤس في حياتها وموتها، أم وحيدة بلا جيران يؤنسون وحدتها وأولاد لا يتذكرونها إلا عندما تموت، وحتى عندما يذهبون لحضور مراسم الدفن يتأخرون عنها، لكنهم يصلون بالوقت ذاته رغم اختلاف مدة الأحداث التي جرت معهم في الطريق إليها بين الوقوف في غرفة تحقيق والتعرض لإطلاق النار تليها عملية إنقاذ تقوم بها الابنة الطبيبة في طريق ذهابها إلى أمها وغيرها من الظروف، إلا أن جنازة شهيد في القرية تعيقهم عن الوصول في الوقت المناسب لإلقاء النظرة الأخيرة، فبدت جنازة الشهيد كواحدة من الإعاقات التي اعترضت وصولهم في اللحظة المناسبة، بعد أن وجد الأبناء أنفسهم يسيرون فيها.
تمام علي بركات