ثقافة

الراحل غسان السباعي.. وداعاً

يفترض الفنان غسان السباعي أن الإنسان ذكي، فليس من الضرورة الإفاضة في شرح الفكرة، بل يكفي التلميح، فهو يدفع المتلقي لمشاركة الفنان البحث، ولذة الكشف.
«ثيران في حقل الورد- التعليب- جدار القدس– نساء غزة- المنفي– الزحف على جبل الوصايا العشر»، بعض عناوين أرادها الفنان لأعماله التي أنجزها خلال مسيرته الإبداعية الطويلة، وحقيقة الأمر هي ما كان يناضل خلال حياته لأجله، ويحلم به، ويرسمه رغبة في امتلاك مظهر لحياة أجمل.
من بدايته في أواخر الخمسينيات، ظهرت أعراض الحلم، واستمرت حتى رحيله، فكان أحد الحالمين الذين خذلهم الحلم، أو خذلوه، واتخذوا من الفن ملاذاً لهم، حسب قول الصديق المشترك سعيد البرغوثي.
ولتجربة الفنان السباعي سمة اجتماعية، ذات مزاج دفاعي عن حلم يتصف بانعدام التناقضات، والصراع فيه، فكانت تجربة من أكثر التجارب التشكيلية السورية إلحاحاً على الإنسان، وعلى الدراما الإنسانية، وبأسلوبه الواقعي الذي طوره، وأغناه برمزية العارف بطاقة الرمز، ومقدرة الفنان المتمكن من توظيفه كأساس تعبيري ذي لغة دلالية، ووظيفية في اللوحة، وبلغة الناقد للواقع، يتساءل، ويبحث عن ماهية هذا الواقع: «لابد من تحديد أي واقع هذا الذي نعنيه؟.. فالواقع ليس هو المرئي البصري فقط، بل هو الواقع الفكري المرتبط بالموقف – موقف الفنان– وبالحياة الاجتماعية، وفهمه يرجع إلى خلفية الفنان الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، فالواقع ليس واقع الصورة، بل هو واقع الموقف المرتبط بحركة الحياة، كما نشهد في تجربة الفنان حالة من التبسيط، والتحوير، والتلخيص، خاصة في المظهر الإنساني، رغبة منه في استشفاف الجوهر، وعن الرمز يجب أن يكون أكثر عمقاً، وحضوراً، وقدرة على التعبير غير المباشر، وتحمل مضامين سياسية، واجتماعية، وإنسانية.
كان الراحل مشاكساً في رأيه، ومحاوراً ذا جدل، كنا نتفق معه، ونختلف، وفي أيام الأزمة الرهيبة تحديداً كنا نلتقي أكثر من العادة، ونتفق على غير العادة، لأن الذي يجمعنا على أن نتفق هو شيء أكبر منا جميعاً، وأجمل مما أنتجناه من لوحات، وأغلى من حلمنا، هو الذي يبقى، ونحن الراحلون، هو الوطن الذي كرمنا بحبه، وانتمائنا له.
ودعتنا بفكرة العارف بالنهاية، حيث لا أسئلة منا إليك لتجيب عنها كأستاذ تاريخ بهتت ملامحه من جرحنا، لندرك منك أن الفكرة الجادة، كما كنت تصر، لا تحتاج إلى تزويق، لأن الجمال يكون شرفاً بها، وشرف الإنسان رهن ما يناضل من أجله، من قيم عادلة، هناك حيث يكتمل الجمال.. غسان السباعي الفنان، والصديق وداعاً.
أكسم طلاع