ثقافة

جمالية الشكل والإبداع الحرفي- حرفة القيشاني

تقاس قيمة وأهمية الحضارات بدرجة إبداع وتميز شعوبها، والحضارة السورية كانت على الدوام  إحدى الحضارات التي أثبتت وجودها في شتى المجالات ومنها مجال الصناعات اليدوية حيث حافظت على استمراريتها. ونظراً لأهمية هذه الصناعات نظمت وزارة الثقافة- مديرية التراث الشعبي بالتعاون مع مديرية الثقافة بدمشق – ثقافي أبو رمانة  سلسلة ندوات شهرية ثقافية تراثية بعنوان “حرفتي هويتي” لتسليط الضوء عليها واستضافة الباحثين والعاملين في مجالاتها المتنوعة، وكانت الندوة الأولى في هذه السلسلة عن “حرفة القيشاني بين الأصالة والمعاصرة” شارك فيها: الحرفية راميا رمضان وشقيقها أحمد رمضان مع الباحث في مجال التراث محمد الفياض وأدار الندوة فؤاد عربش.

عجينة القيشاني من تراب سورية
في البداية أشارت راميا رمضان إلى أن سورية كانت على الدوام مهداً للتراث والحضارة والحرف التراثية المختلفة، ومن أعرق البلدان  في مجال صناعة  الخزف التي تعتبر جزءاً من الموروث الثقافي، فهي ثقافة الآباء والأجداد. كما تحدثت رمضان عن عمل والدها في مجال حرفة صناعة القيشاني والجبس، فقد أمضى حياته فيها وقام بالكثير من التجارب في هذا المجال ليصل إلى ما حققه، وبالتأكيد كانت طبيعة العمل في تلك المرحلة مختلفة عن الوقت الحالي، فقد كانت المعاناة أكبر في ذلك الوقت بسبب الأدوات البدائية، وعدم توفر المواد المحافظة على تماسك القطعة، وكان الفرن عبارة عن حفرة لها بابان وتشغّل بواسطة مادة النشارة، والقطعة التي توضع في الفرن نستغرق في صناعتها يومين، وتتطلب المراقبة الدائمة للفرن، أما الآن وبفضل توفر الأفران الآلية فقد أصبحت العملية أسهل. وعن تجربة عائلتها في مجال صناعة القيشاني قالت رمضان: تربينا أنا وأخوتي منذ نعومة أظفارنا على هذه المهنة وتوارثناها جميعاً، وكان والدي حريصاً على تعليمنا هذه الحرفة حرصاً على استمرارها، وعلّمنا أن عجينة القيشاني تمتلك إمكانات غير محدودة وبحاجة لتطوير دائم. أما عن تركيب عجينة القيشاني ومراحل العمل  فهي عبارة عن خليط من الأتربة تحوي على مجموعة لا تقل عن أربعة معادن، وهذا الخليط من تراب سورية حيث يقوم الحرفي بنخل التراب ويمر ذلك بثماني مراحل من التصفية ليصل إلى العجينة المناسبة التي تعجن وترق وتنعم لتصل إلى السماكة المطلوبة، وتوضع في قوالب لتأخذ لشكل المطلوب ثم تكتب على سطوحها آيات من القرآن الكريم والأحاديث والأشعار، أو ترسم عليها النقوش المختلفة بمواد ثابتة، ثم يذر عليها مسحوق الزجاج وتدخل الفرن ليسيل الزجاج ويكسوها بطبقة تحميها من المؤثرات. وعن تجربتها في هذا المجال تابعت رمضان: بما أن الحرفة تتبع لذوق الحرفي وخياله وخبرته فقد استطعت أن أطوّر عملي وأضيف لمساتي الخاصة على القطع التي أصنّعها، ومن المهم أن يعلم الجيل الحالي أهمية هذه الحرف ويتعلمها حتى لا تندثر.

الإبداع مستمر
بدوره أكد الحرفي أحمد رمضان أن حرفة القيشاني كانت مفقودة لفترة طويلة من الزمن في سورية، وعادت للظهور ثانية. كما تحدث عن تجربة والده الذي كان يعمل في مجال الفخار والجبس، وكان من أوائل من تميزوا في سورية في هذا المجال ليطور عمله لاحقاً من خلال التجريب ليصل إلى ما حققه من إنجازات في هذا المجال بعد فترة زمنية طويلة. كما تحدث رمضان  عن الفرق بين القيشاني الدمشقي وغيره، من حيث تميزه بالرسوم النباتية، مؤكداً سعيهم الدائم في العائلة إلى تطوير القديم الذي كان موجوداً، لأن الإبداع في هذه الحرفة مستمر ولا ينتهي أبداً.

المدرسة الدمشقية
أما الباحث محمد الفياض فقد اعتبر أنه لا يمكن فصل حرفة القيشاني عن الخزف فهي جزء منه، وبالطبع تسمية القيشاني تعود إلى مدينة قيشان في إيران والتي كانت تتميز بتربة غنية، وهذا ما أعطى الخزف المصنوع هناك هذه السمعة الطيبة. كما تحدث الفياض عن المدارس المتنوعة في مجال صناعة الخزف والقيشاني وأولها المدرسة الصينية التي تعود لأكثر من 5000 عام والتي كان لها دور مهم باعتبارها على طريق الحرير وخط التجارة، وربما كانت جذور الصناعة العربية والإسلامية في مجال الخزف تعود إلى تلك الحضارة. أما المدرسة الثانية فهي المدرسة الإيرانية والتي تميزت بصناعة النفائس من الخزف والقيشاني وكانت مدن إيران تتنافس في مجال هذه الصناعة، وبالطبع حاولت الهجمات التي تعرضت لها الحضارة الإيرانية من قبل المغول وغيرهم طمس هذه الصناعة لكنها لم تستطع، فقد كانت هذه الصناعة تنتقل من مدينة لأخرى ربما نتيجة التجارة وبفضل هجرة ونزوح بعض الحرفيين إلى الأماكن المجاورة، والمدرسة الثالثة هي العثمانية التي صدّرت الكثير من أنواع الخزف والقيشاني. أما المدرسة الدمشقية فتدل النفائس الموجودة في مساجد دمشق على أهميتها وعظمتها، وقد كانت دمشق تعج بالأسواق ومحلات بيع القيشاني وهناك سوق القيشاني نسبة لهذه الصناعة. وختم الفياض مشاركته بتوجيه الشكر لوزارة الثقافة – مديرية التراث الشعبي – على الاهتمام بالحرف التراثية وإعادة إحيائها لحفظها من التدهور والاندثار، ورافق الندوة معرض عن القيشاني.

جلال نديم صالح