الدعوة إلى الالتزام بأدب المقاومة من خلال أدب الصمود

كما قال الشاعر نزار قباني “ومحال أن ينتهي الليمون” من المحال أن تتوقف المقاومة الفلسطينية المستمرة عبْر الأجيال الذين يتشبثون بجذورهم ومفاتيح بيوت أجدادهم ،لاسيما في هذا الوقت الذي يميل فيه بعض المثقفين من داخل فلسطين المحتلة إلى إقامة علاقات التطبيع عبر مشاركاتهم في  فعاليات ثقافية ،وقد لاقى هذا الفعل استنكار اتحاد الكتّاب العرب والصحفيين الفلسطينيين كما أوضح الأديب عبد الفتاح إدريس إذ قال: “نحن كفلسطينيين نقف مع موقف الكتّاب في رام الله ونرفض التطبيع والمتطبعين ونرجو التراجع عن هذا الاتجاه الخاطئ ،ونحن كمثقفين نكتب بالدم لفلسطين وللأمة العربية “وشاركه الرأي الأديب عدنان كنفاني فأضاف:”إن محاولات اختراق المجال الثقافي لم تتوقف منذ عام 48 ونحن متمسكون بثباتنا الثقافي ولانؤمن إلا بفلسطين الجغرافية من البحر إلى النهر”.
من هنا جاءت الدعوة في جلسة الأربعاء إلى استمرار أدب المقاومة من خلال أدب الصمود ،وقد تآلفت القصة مع الشعر ضمن دائرة أقطاب الصمود ،وطُرحت مسائل تتعلق بمصطلح التعتيم ومفاتيحه ودلالات العنوان والالتزام بالقافية الواحدة في الشعر العمودي، وقد استضافت هذه الجلسة أدباء من أعلام الأدب الفلسطيني وأفردت مساحة لأدب الشباب أيضاً.

الذاكرة وحق العودة
قبل تدوين مقتطفات من الشعر المتوهج بالعاطفة والهائم في أبحر الحنين قُرأت قصة “حطين” الحافلة بمشهدية روائية استحضر فيها الأديب عدنان كنفاني من خلال متتاليات السرد بصوت واحد للبطل (أبو أسعد) زمناً مضى عاشه مع أسرته وجيرانه مازجاً بينه وبين الخراب الحاضر الآن بعدما امتد النبت الشيطاني وأقام المستوطنات المتاخمة “على حدودها وقضى على كل الرياحين وحلّ الخراب على أرجائها”زحمة الخراب لم تعد الطرقات تحفر مسارها “وعزز فيها قوة الانتماء والصمود برسم رموز لاتموت كشجرة الزيتون الباقية” تزف خضرة على محيط الخراب ،والنبع الذي يتدفق بحزن ليصب في بحيرة طبريا ،والحجر الرمادي الذي يتقن الاستماع كما يتقن الصمت” ،وفي الوقت ذاته تمكن من رسم لوحة جميلة لمناخات الحياة الدائرة في الماضي عمل من خلالها على توصيف البيئة بكل أبعادها موظفاً فيها الألوان التي تنسج منها النسوة ثياباً تنثر عبق الرياحين عليها ،ففي القصة نقلة نوعية من عالم السرديات إلى ثنائية الحوار بين الجد (سيدي) باللهجة الفلسطينية المحكية وحفيدته سارة،عاد من خلالها إلى زمن الخراب والتشتت واستمرار المقاومة من خلال رسم خيالات حطين في ذهن الحفيدة التي جسدتها بكتابة موضوع إنشاء ،لكنه توقف عند انكسارات الهزيمة بحواره معها “يابنتي صمدنا وقاتلنا لكنهم تركونا وحدنا نتشتت في كل مكان” لتنتهي القصة بأن حطين باقية والخراب هو الوهم.”حطين هي تلك التي حرصت أن أرسمها في خيالك ،هذا المدى الخراب هو الوهم”.

وجدانيات غزلية
شارك في الجلسة الشاعر محمود حامد بقراءة قصيدة الوردة والندى من ديوانه (عابرون في الدمعة الأولى) تميّز بالمزج بين الغزل والوجدانيات، وبإثراء الصورة الشعرية الحالمة بالاتكاء على مفردات مستوحاة من الطبيعة والاعتماد على دلالات الرموز كالنخلة وصولاً إلى الالتصاق بفلسطين التي تعيش في الوجدان.
“كانت تراه بكل رعشة خافق/تسري بها وبكل طير آبا/وبكل شال رفّ في شباكها/وتراه كل العابرين صحابا”
ثم تابع الشاعر سليمان السلمان الذي دعا في مسيرته الشعرية إلى الأدب النضالي في سبيل الإنسان الذي لايفصل بين القضايا الاجتماعية والوطنية والقومية فكلها تعبّر عن الأدب الإنساني ،وعمل على تبسيط الجملة الشعرية وإغنائها بالأضداد كما في قوله “أنا من عصرنا المهزوم لا عصر انتصارات” و”الأرض لي والموت لك” في منحى آخر أفرد مساحة للغزل ،فقرأ عدة قصائد منها: تجديد –ابنة الأربع عشرة –طير الحمام – الموت لك.
وجاءت مشاركة الشاعر مصطفى حسون مختلفة أشبه برسالة إلى الشاعر بدر شاكر السياب يمضي بها مع انسيابية رومانسيته ،ويتمثل قيمه بجمالية الحياة بالحب والتسامح والإحساس بالآخر من خلال قصيدة “أضغاث أحلام”
/والصفح ياسيّاب أضحى/ميزةً عند البحار/فعلام تتركني بلادي تائهاً خلف الحدود/
وقد أفردت الجلسة مساحة للإصغاء إلى الشعراء الشباب مثل مهند كامل الذي قرأ قصيدة أول الرؤية ،وأثنى الحاضرون على تمكنه من أدواته الشعرية وخطه مساراً جديداً في منحى القصيدة الفاعلة التي يتبنى فيها فكر الشباب برفض مبدأ تقليد الآباء والبحث عن منظومات حياتية جديدة.
“أنا فكرة حيرى وحرف حالم/ركب القصيدة في الظلام وأبحرا”
كما شاركت الشابة سلام تركماني بقصيدة “إله الحرف الأكبر” التي عادت فيها إلى التراث الديني معتمدة على مفردات دينية.
“كل اتزانات الحروف/تدعوك بحق لطفها/أن تكون/وحيّ نبيّ القصيدة”
التمييز بين الانطباع والنقد
وعلى هامش الجلسة أثيرت مسألة التركيز على دلالات العنوان لرفع سوية القصيدة الفنية وعدم الإيغال في العاطفة وإهمال خصائص الشعر ومستوياته الزمنية والسردية ،وأثار الشاعر سليمان السلمان أهمية الاعتماد على التعتيم كمصطلح له مفاتيحه والبعد عن الإسهاب بالتفسير ،وتكرار التركيز على القافية الواحدة في القصيدة العمودية ،وختم الجلسة الكاتب أحمد جميل الحسن مؤكداً ضرورة التركيز على الفرق بين الانطباع والنقد ،فالآراء الانطباعية ليست نقداً لأن النقد يتطلب دراسة متأنية وقراءات متعددة.
ملده شويكاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *