ثقافة

“كذبة آرمسترونغ” حكاية بطل حارب السرطان

هل يحق للإنسان الكذب بغية الحصول على مكاسب شخصية تسعد الآخرين على غرار الغاية تبرر الوسيلة كما حدث مع لانس آرمسترونغ الذي ردد “لم أعش أكاذيب كثيرة ولكنني عشتُ كذبة واحدة فقط”؟ وبالتالي هل يستطيع الإنسان أن يضمن صفح الناس عنه بعد اعترافه؟ وهذا يقودنا إلى سؤال هل يتقبل الناس فكرة الكذب حتى لو كان هذا الشخص من المقربين منهم؟
هذه الأسئلة طرحها الفيلم الوثائقي “كذبة آرمسترونغ” في الأيام الأخيرة من مهرجان أفلام حديثة جداً في الأوبرا،والذي أظهر شخصية لانس آرمسترونغ نجماً سينمائياً وليس رياضياً فقط وعرض حكايته كأسطورة تتماهى بين الحلم والواقع ،وحظي بإعجاب المهتمين بالأفلام الوثائقية ومحبي الرياضات العالمية وبالتحديد رياضة سباق الدراجات الهوائية.وكان هذا الفيلم بعيداً عن النمط (الديكو –درامي) الذي يجمع بين مشاهد تمثيلية ومشاهد حقيقية، إذ بدا بأسلوبية خاصة تجمع بين الوثائقي والتسجيلي في مواضع كثيرة منه، لاسيما أن لانس آرمسترونغ نفسه كان شريك المخرج أليكس جيني في السرد والحوار،بدأ بمشهد الاعتراف بلقاء الإعلامية أوبرا مع آرمسترونغ ليدرج المشهد داخل متن الفيلم بسياقه الدرامي ضمن الأحداث بما يشبه الفلاش باك .ولم تتوقف جمالية الفيلم عند البعد الجمالي للمنعطفات التي توصل إلى ارتفاعات شاهقة لجبال الألب والتي تشكّل خط المباريات بين عدد من اللاعبين العالميين الذين يتوزعون إلى مجموعات ،ولا عند القوانين التي تحكم هذه اللعبة التي تتطلب الكثير من الجهد والقوة الجسدية ،ولا بشروط ارتداء القميص الأصفر ولا بجموع كبيرة حُشدت لتشجيع اللاعبين ومساعدتهم في حال حدوث أية إصابة ،وإنما نلمس جماليته في البعد النفسي لحالة المنافسة وحماية الذات بالحفاظ على موقعها وإظهار الجانب الخفي والمظلم والمفعم بالحزن والخوف من حياة آرمسترونغ الذي يبتسم أمام الكاميرا للآلاف الذين يرافقونه ،فأفرد المخرج جانباً خاصاً من حياته أثناء إصابته بالسرطان ومعاناته من تأثيرات العلاج الكيميائي ،فعرض مشاهد حقيقية لهذه المرحلة الصعبة ومجموعة صور أرشيفية ،وبعد نجاته من المرض أصبح شخصية مشهورة اجتماعياً لها حضورها الجذاب في أيّ مكان، فارتبط بصداقة مع عدد من الشخصيات الشهيرة، بعد أن شارك في العمل التطوعي لتشجيع مرضى السرطان وزيارة الأطفال المصابين بهذا المرض والتطرق إلى معاناة أهلهم ،تزامن هذا المحور مع عرض المحطات الهامة التي مرّ بها آرمسترونغ كرياضي عالمي فاز بدورات متتالية لأشهر منافسات ركوب الدراجات بدءاً من 1999إلى 2002 2005إلى 2009 إلى 2012،إضافة إلى الدورات التي تقام في فرنسا وإيطاليا،وتطرق المخرج  إلى أسرار القصة المثيرة التي رافقت حياة آرمسترونغ بتعاطيه كمية من المخدرات وبعض العقاقير المنشطة لزيادة نشاطه الجسدي ،من خلال إشراك الطبيب الخاص بآرمسترونغ والذي ارتبط معه بصداقة قوية .وكشف المخرج بذكاء حقيقة تعاطي اللاعبين المقربين أيضاً منه المخدرات.المحطة الهامة التي توقف عندها المخرج هي لقاء آرمسترونغ مع الإعلامية الشهيرة أوبرا واعترافه أمام الملايين بتعاطيه المخدرات بعد الكذب سنوات طويلة ورفضه الاعتراف بذلك ومعاداته كل من كان يواجهه بذلك.
مضى مسار الفيلم بوتيرة واحدة إذ اعتمد المخرج إضافة إلى عرض مجموعة مشاهد حقيقية إلى إجراء لقاءات تسجيلية مع أشخاص مقربين من آرمسترونغ ،أوردها بتتابع دون فواصل زمنية ألحقت بالمشاهد الحقيقية فبدت تمضي بإيقاع متسارع ومتلاحق مما أربك المشاهد وجعله في حالة تشتت مع الحدث ،وفي المشهد الأخير نرى آرمسترونغ يتدريب بتصميم وإرادة رغم خسارته حتى بالاحتفاظ بالمرتبة الثالثة بعد تجاوزه الأربعين وبعد منعه من الاشتراك في المباريات التي تحظر من تناول العقاقير المنشطة والمخدرات.            الأمر الهام في الفيلم الذي يستحق التقدير تصميم المخرج على إخراج فيلم يتناول حكاية مريض بالسرطان امتلك القوة والإرادة لمحاربة المرض والتمسك بالنجاح.
ملده شويكاني