ثقافة

شاعر الحزن والوحدة مظفر النواب … قطعة شعرية من الذهب الخالص

يصفه البعض بأنه قطعة شعرية من الذهب الخالص، ذهبُ المشاعر النقي واللهيب الثوري الصادق والفهم والمعرفة والتفوق الجارف، وهو الذي -باعتراف الكثيرين- لم يكن أستاذاً بل معلماً وملهماً وعبقرياً بالفطرة كغاندي وجيفارا وماوتسي تونغ وآينشتاين وتشومسكي وإدوارد سعيد والمتنبي والمعري والبحتري.. إنه الشاعرٌ العراقيٌ مظفر النواب الذي اشتهر بالشعر العامي وبشتائمه الحادّة وإلقائه الفريد الذي يجعلك لا تريد سماع الشعر من غيره .
لم يكن من الضروري وجود مناسبة للحديث عن الشاعر مظفر النواب  الذي ملأ الدنيا صراخاً وصخباً وتمرداً برأي د.عبد الله الشاهر الذي تحدث عنه مؤخراً في مركز ثقافي المزة دون أن ينكر أن تناول هذا الشاعر في حياته وشعره أمر ليس سهلاً وهو الذي أمضى حياته بين الأقطار والأمصار وكانت حياته قلقة مضطربة، مشيراً إلى أن هذه الحياة هي التي أغنت تجربته الشعرية وعمقت إحساسه بالغربة والضياع وجعلت الوطن بداخله حلماً يتوق إلى لقائه، منوهاً إلى أنه كان وما زال المتمرد والمتفرد والمتشرد في شعره وحياته وقد أصبح ظاهرة خاصة في سلوكه وحياته التي وهبها لشعره الذي أخلص له فعاش وحيداً إلا من شعر شفيف ورقيق مليء باللوعة والحزن والغربة والحرمان :
وآه من العمر بين الفنادق.. لا يستريح
أرحني قليلاً.. فإني بدهري جريح
ويبين د.الشاهر أن أول ما يطالعنا في شعر النواب خطان يشكلان مسار تجربته الشعرية وهما الخطاب السياسي والخطاب الوجداني وتتفرع من خلالهما أنهر من الثورة والحب والوطن والحنين والغربة والصوفية وتتداخل هذه الأنهر لتصطدم بالواقع فتشكل لدى الشاعر شلالات من القلق والتشرد والضياع تخلق في ذاته عالماً مليئاً بالأضداد، تتداخل فيه الأنا مع الكل ليتفجر من يقرأ أو يستمع لقصيدة من قصائده بركاناً ورغبة في التمرد .
وبالنسبة للخط الأول يؤكد د.الشاهر أن الخطاب السياسي في النص الشعري النوابي أساسي، لذلك أصبح النواب من أبرز شعراء الفكر السياسي وقد اصطبغت جميع قصائده بالصبغة السياسية المعارضة والتي تكاد أن تكون بياناً سياسياً معارضاً تكمن قيمته الشعرية –برأيه- في مدى قوة شتيمته وقد انطبع لديه الخطاب بصورة انفعالية تصل أحياناً إلى مستوى المباشرة الفجة:
“القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل زناة التاريخ إلى حجرتها” مشيراً د.الشاهر إلى أن خطاب النواب السياسي يستند  في بعض الأحيان إلى صدى أمجاد وبطولات من التاريخ وهو بذلك يلتقط اللحظات الأكثر توهجاً في ضمير الأمة ويؤرخ لفعلها الثوري بشعرية عالية:
“الله أكبر والبندقية.. عاد علي إلى باب خيبر.. سجل: خلايا العروبة تنقل تلك الشجاعة جيلاً فجيل” كما يرى د.الشاهر أن الشاعر يلجأ أيضاً في خطابه السياسي إلى تبني تداعيات رومانسية تشوبها لغة عسكرية قارعة لطبول الحرب وقد حمل على الفكر السياسي العربي واتهمه بالخمول والقصور والتآمر:
“يا ملك الثوار.. أنا أبكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيها.. والقلب تموت أمانيه.. ولكن وطن عربي.. مملكة للجوع وللأوبئة الجلدية.. والقيء.. وللثورة أيضاً” .
وهكذا فإن الجانب السياسي لدى الشاعر مشبع بسقام وأوهام وأوجاع ولكن -وهذا ما يحسب للنواب-  ظل الأمل والحلم يسكنان في داخله.

محطات استراحة
أما الخطاب الوجداني فهو محطات استراحة وواحة يطلق من خلاله العنان لخياله ليسافر في عوالم تندغم بين الحقيقة والخيال، ولكي نفهم هذا الجانب في شعره لا بد برأي د.الشاهر من تحديد معالم أساسية لها حضورها الدائم في جسم القصيدة النوابية لتكون أولى هذه المعالم:
المرأة والجنس حيث أن أهم ما يطالعنا في شعره ذلك البعد الجنسي الذي يرتسم وبشكل واضح وبتعابير سافرة تخرق المألوف وتميط اللثام عن أخلاقيات اللغة الشعرية لديه والتي استطاع أن يوظفها في الكثير من المواقف السياسية وأن يختار مفردات غير شرعية كدليل على لا شرعية الموقف السياسي، مؤكداً د.الشاهر أنه لا يغالي إن قال أن العلاقة مع المرأة عند الشاعر تكون على مستوى الجسد لا الروح ليأخذ الجنس عند الشاعر شكل التقريع للسلطة حيث يوظف المفردة الجنسية كما يشير د.الشاهر إلى شكل ممارسة سلطوية تأخذ المعنى المبتذل، موضحاً أن الحب في شعر النواب هو الحب الحسي، وتمثل قصيدة وتريات ليلية أنموذجاً لسيطرة الشكل الجنسي الغالب على بناء القصيدة بدءاً من المقدمة إلى آخر مقطع من القصيدة، معترفاً د.الشاهر أن المرأة عنده وفي أوقات كثيرة تتحول إلى وطن:
“قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة.. لكنني أعشق وجه امرأة واحدة في تلك اللحظة.. امرأة تحمل خبزاً ودموعاً من بلدي” .

الخمرة في شعر النواب
لم تكن الخمرة حالة طارئة في شعر النواب وإنما خط أساسي في شعره وهو برأي د.الشاهر تخط للواقع وتحد له:
“أسكر كي أحتمل الدنيا التي فيها أراك”.. ويبين أن الخمرة عنده تتحول إلى أشكال مختلفة وهي ليست الوحيدة التي تسكره:
“أسمي كل من يسلب لبّي خمرة.. إن كان حسناً.. أو قراح الماء”.
يذكر أن مظفر عبد المجيد النواب شاعر عراقي ينتمي لأسرة ثرية مهتمة بالفن والأدب.. ولد في بغداد عام 1934وأكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب ببغداد.. وفي العام 1963 اضطر لمغادرة العراق متنقلاً بين بيروت وبعض العواصم العربية والأوربية ليستقر به المقام في دمشق ولسنوات طويلة وليعود عام 2011 إلى العراق حيث يقيم حالياً.
أمينة عباس