ثقافة

استعداداً لتقديمها قريباً على مسرح القباني “تغريدة أبو سلام”.. عندما يصبح الوجع وجعين

هو فلسطيني نزح من مخيم اليرموك إلى جهة مجهولة رافضاً الخروج من سورية إلا إلى فلسطين لأنه مؤمن أن عملية تهجير الفلسطينيين من سورية مؤامرة للقضاء على حق العودة، لأن المخيمات الفلسطينية في سورية هي الخزان الطبيعي لهذا الحق.. إنه أبو سلام بطل المونودراما التي يتم التحضير لها حالياً تحت عنوان “تغريدة أبو سلام” تأليف وإخراج داوود أبو شقرة تمثيل عبد الرحمن أبو القاسم.
المسرح في مواجهة المؤامرة
يؤكد داوود أبو شقرة في حواره مع “البعث” أنه كتب هذا النص خصيصاً لهذه المرحلة بعد تحريض من قبل أبو القاسم في ضرورة أن يكون المسرح ملتصقاً بقضايا الواقع لا مستقدماً من خارجه.. من هنا كان عليه أن ينطلق في اللعبة الفنية من معاناتنا الشخصية اليومية، وهنا –برأيه- تأتي مسألة التقاطع بين الخاص والعامّ عندما يستطيع أن يحول شخصية مثل شخصية بطل العرض إلى شخصية عامة تلامس هموم المجتمع بمعظم أفراده، مشيراً إلى أن الفكرة الأساسية في العرض تواجه المؤامرة التي تفتت البلدان العربية وتفتت ما فتّتته مؤامرة سايكس-بيكو بأسلوب بسيط جداً للإشارة إلى أن المتآمرين علينا يريدون أن يخلوا الساحة العربية من أبنائها الشباب، لتفتقر إلى العقل والقدرة العاملة من خلال مجتمع مكوّن من أطفال وشيوخ غير قادرين على العمل والتنمية، والعرض –برأيه- لا يطرح هذه المسائل من خلال شعارات وبيان سياسيّ، بل يعالج المسائل ببساطة متناهية من خلال تسليط الضوء على الحياة اليومية لرجل عجوز هاجر أولاده بفعل الأزمة السورية من خلال تفكيك حقيقة ما يجري ضد أوطاننا، منوهاً أبو شقرة إلى أن شخصية العرض فلسطينية لأن الضرورة اقتضت في العرض أن يعالج قضية الإغراءات التي تقدَّم لإخواننا الفلسطينيين من أجل الهجرة إلى أوربا، وبالتالي كان لا بد من طرح مجموعة من الأسئلة في مقدمتها “لماذا تقدم كل الإغراءات للفلسطينيين ليكونوا في أي أرض يختارونها من العالم وممنوع عليهم أن يعودوا إلى فلسطين، في حين تقدَّم كل التسهيلات لليهوديّ للذهاب إلى فلسطين؟”. من هنا يطرح العرض هذه المعادلة المعكوسة من خلال بطل العمل أبو سلام الفلسطيني المناضل والمتقاعد الذي قبل أولاده بالإغراءات التي قُدمت لهم للهجرة إلى أوربا، في حين رفض هو حتى بعد أن لحقت زوجته بأولادها أن يترك المكان وأن يقبل بالإغراءات التي قُدمت له.

المونودراما أصعب الفنون
ويوضح أبو شقرا أنه وعلى الرغم من أن المونودراما أصعب أنواع الفنون المسرحية إلا أنه ذهب إلى الأصعب لتقديم القضية الأصعب وهي فن فيه من التجريب الشيء الكثير حيث تتم فيه الاستعاضة بكل متممات العرض بممثل واحد، بالإضافة إلى أن التفكير بالنسبة لكل فريق العمل كان منذ البداية أن يُقدّم هذا العرض لأكبر عدد ممكن من الشرائح والجاليات والمتفرجين، وبالتالي فإن محدودية عناصر العرض من خلال المونودراما تحقق هذا الهدف.
وعلى الصعيد الفني وكمخرج يبين أبو شقرة أنه ذهب في العرض إلى الواقعية المدهشة البسيطة التي تتناول حياة يومية لشخص ما: كيف يشعر ويتلقى ويأكل من خلال لغة إيحائية تعبيرية إلى حد ما، وبالتالي سيشاهد الجمهور في العرض حياة يومية اعتيادية لشخصية بطريقة فيها من الدلالات والإشارات الشيء الكثير، أما المباشرة التي يراها النقاد في أن تذهب اللعبة الفنية إلى كشف ذاتها ليست مطلوبة في كل العروض، منوهاً في الوقت ذاته إلى أن عروضاً في غاية المباشرة تتحدث عن مسائل يومية، وبالتالي هناك مئات الأنواع من العروض المسرحية المباشرة في طرحها، وهذا برأيه لا يلغي أنها لعبة مسرحية ذات فنية عالية، ولا يدّعي أبو شقرة أنه تجنّب المباشرة بشكل مطلق بل يعترف أنه اعتمد المباشرة في عرضه لتكون حصاناً يطير به في لعبته الفنية من خلال طرح مشاكل يومية لحياة نعيشها والتي عندما نتبصّر في كل كلمة تقال في العرض سنجد أنها ليست مباشرة وأن العرض لا يتحدث عن معاناة أسرة بعينها إنما عن حياة وطن وقضية بكاملها.

شخصية على نار حامية
أما الفنان عبد الرحمن أبو القاسم فيبين أن مونودراما “تغريدة أبو سلام” هي إحدى التغريدات التي يتحدث فيها عن هذا الوضع الذي تعيشه الأمة العربية قاطبة، والفلسطينيون بشكل خاص، خاصة وأن هناك الآن مشروع لتفريغ الساحة العربية والسورية تحديداً من الفلسطينيين ومنحهم أماكن إقامة في الدول الأوربية من أجل أن ينسوا الهوية الفلسطينية، وعلى هذا الأساس تنادى فريق العمل في المونودراما لطرح المسألة ووضع الإصبع على الجرح، مؤكداً أن شخصية أبو سلام جاءت على نار حامية ومتوقدة لأن ما يحدث الآن في سورية والوطن العربي شيء مرعب على صعيد محاولة تفريغ الوطن العربي من مواطنيه من خلال وجود ترانسفير حقيقيّ لتفريغ الساحة العربية من العقول العربية والطاقات القادرة على أن تحدث تغييراً في المجتمع العربي.. من هنا تكونت الشخصية على نار مشتعلة ومن قلب أتون المشكلة، تتحدث عنها ومن داخلها.
وعن جديده في هذا العرض على صعيد الشكل الفني يعترف أبو القاسم أن العمل جاءه وهو متقدم في السن نسبياً حيث لم تعد طاقته هي الطاقة التي كان يتميز بها، لذلك حاول جاهداً أن يتجاوز نفسه لنشر رسالة العمل، وهي رسالة للعالم تتحدث عن الوضع الفلسطيني خصوصاً، ومن هنا جاء تحدي الذات بالنسبة له من أجل أن يوصل الموضوع الشائك الذي لا ينكره العالم، فالكل بات يعترف بأن هناك مأساة حقيقية يمر بها الشعب العربيّ عموماً والسوري والفلسطيني خصوصاً، لذلك يؤكد أبو القاسم أن الإبحار في تجسيد شخصيته كانت مسألة صعبة وليست سهلة، وقد كان  من الضروريّ أن يتعاون الجميع من أجل الوصول بمقولات العمل إلى برِّ الأمان منوهاً -وهو الذي قدم عدة أعمال مونودرامية- أنه لا يتعامل مع هذا الفن كمونودراما فحسب بل لأنها الفن الوحيد الذي يستطيع الفنان أن يقدمه متى شاء وأينما شاء ويكون المسؤول عن نفسه فقط فيقدمه ضمن إمكانياته ووقته دون أن يكون مرتبطاً بأحد. من هنا فإن المونودراما بالنسبة له ليست مسألة ميل أو مزاج بل حالة وحاجة في هذا الظرف الذي نعيش فيه اليوم والذي بات فيه اجتماع مجموعة من الممثلين في مكان واحد ليس بالأمر السهل، ولا يخفي أبو القاسم أن اللجوء في هذا العرض إلى فنّ المونودراما هو لرغبة فريق العمل بالتجوال فيه في أوربا، وخاصة الدول الاسكندينافية التي تحطّ فيها رحالها نساؤنا وشبابنا وأطفالنا لاستقطاب أبنائنا هناك ومتابعتهم في شرح ماذا يعني الترانسفير والتخلي عن الكرت الأبيض مقابل الإقامة، مبيناً كذلك على صعيد بناء شخصيته أن الإضافات على الشخصية أثناء البروفة وبعد كتابتها من قبل المؤلف لا تأتي من شخص واحد وإنما من كل فريق العمل، أما ما يجنبه الوقوع في مطب التكرار فيرى أن النصَّ هو الذي يحكم الممثل، فعندما يكون كل نص مختلفاً عن النص الذي سبق أن قدمه فإن الممثل يبحر في مكان مختلف، وبالتالي فإن معطيات النص الأدبي باختلافه شكلاً ومضموناً يتيح هذا التنوع بالنسبة للفنان.

رؤية دلالية بتفاصيل واقعية
ويوضح الفنان محمود خليلي مصمم السينوغرافيا في العمل أن وظيفته كمصمم هي أن يدقق في مجموعة من المسائل ويحقق مجموعة من الأهداف كإيجاد مكان حاضن يصلح لأن يُقدّم عليه هذا الحدث لتتحرك عليه الشخصية ويعبّر بشكل أو بآخر عن احتياجاتها، ولأن هذا الجانب الوظيفي لا يكفي على خشبة المسرح لا بد من رؤية جمالية بصرية مختلفة يقدَّم فيه هذا المكان. من هنا اقتضت الضرورة في هذا العمل أن يقدم رؤية دلالية بتفاصيل واقعية تحتمل الشرطية، لذلك كان لا بد من البحث في التفاصيل القريبة من هذه الشخصية الفلسطينية المهجّرة قسراً من منزلها، وفي مقدمة هذه التفاصيل التركيز على ما يسميها الفلسطيني اليوم “الكرتونة” أي السلة الغذائية التي أصبحت جزءاً من مفرداته، إلى جانب الشادر الذي توزعه الأونروا عليه لحمايته من المطر، ومن هذه المفردات التي أصبحت لصيقة بالحياة الفلسطينية حاول خليلي أن يبني تفاصيل المكان في دلالته وبعده الواقعي الوظيفيّ، موضحاً أن الخلط بين مفهوم الديكور والسينوغرافيا موجود لأننا ما زلنا نتعامل مع السينوغرافيا كحالة جديدة وهي ليست كذلك، والسبب أن مخرجينا يحتكرون هذا الموقع لأنفسهم ويحاولون تغييب مهمة السينوغراف، مع أن السينوغرافيا لها تأثير كبير في نجاح العرض، حيث تعمل على إيجاد حالة من التوازن بين مجموعة من العناصر البصرية على خشبة المسرح.
أمينة عباس