ثقافة

“دراما المقاومة”.. رؤية شمولية لثقافة المقاومة

أُطلق مصطلح “دراما المقاومة” على الأعمال التي تناولت الأحداث التاريخية التي عاشتها المنطقة العربية، عبر إسقاطات الأحداث الراهنة حيث إن ما يعيشه العالم من إرهاصات وحروب لايختلف عما مضى من تاريخ يعيد نفسه بأساليب الحضارة الخالية من الأخلاق، وقد نجحت هذه الدراما في رصد الروح الوطنية للأبطال التاريخيين الذين حملوا راية النضال ضد مستعمريهم على مر الزمان، كمسلسلات “أنا القدس، التغريبة الفلسطينية، عائد إلى حيفا، الغالبون بجزأيه، قيامة البنادق، قُدمت في مواسم درامية سابقة، وفي الموسم الماضي قُدم عملان لبنانيان “درب الياسمين، تأليف فتح الله عمر، إخراج إيلي حبيب، الذي شكل انقلاباً معرفياً في تناوله الحياة الاجتماعية والإنسانية للمقاوم، الذي اعتدنا عليه يعيش في إطار الذاكرة الجمعية التي تنمطه ضمن تصوّرات بعيدة عن الواقع، ليقدم في “درب الياسمين صورة مغايرة للمقاوم عما هي حاضرة في أذهان الناس.وحسب رأي مخرجه إيلي حبيب فإنه يرى أن مايسمى بـ “دراما المقاومة” وانتشارها عربياً، تطور بشكل ملحوظ بسبب توفر المكونات الأساسية للإنتاج التي يحتاجها المشاهد ليحقق نسبة أكبر من المشاهدة. ويؤكد حبيب على خروجها من محليتها وانتشارها عربياً لأن القائمين عليها من كتّاب ومخرجين ومنتجين يقدمون الفكرة بشكلها الإنساني. والمقاومة في الأساس هي قضية إنسانية الأمر الذي يعني أنها تتضمن رسالة عالمية يفهمها الجميع لما تحمله من مشاعر عاطفية وإنسانية، لكن أهم رسالة يقدمها المسلسل –من وجهة نظر مخرجه- هو تعريف الجمهور على صورة المقاوم الإنسان أولا قبل أن يكون عسكرياً وأن تعيد للمشاهد نظرة موضوعية عن هذا المجتمع المقاوم وتنسف ما لديه من أفكار مسبقة سيئة وغير واقعية عنه. وهنا تصبح الدراما في شكل من الأشكال إحدى مرجعيات الواقع الصادق وناقلة لمجرياته التاريخية بأمانة.
أما المسلسل الثاني فهو “عين الجوزة” تأليف د. إبراهيم فضل الله وتوقيع المخرج ناجي طعمي فيتناول العمل فترة تاريخية هامة بين عامي 1920 و 1945. من خلال قرية “عين الجوزة” التي تقع على الحدود الجنوبية للبنان، ويرصد الصراع الذي دار خلال فترة الاستعمار الفرنسي لهذه المنطقة ما بين المزارعين الذين يحاولون الحفاظ على أراضيهم وحقوقهم وبين كبار القرية ووجهائها المتحالفين مع الانتداب .وهذان العملان وغيرهما من الأعمال التي أدرجت تحت مسمى “دراما المقاومة” هي خير دليل على نزوع الدراما نحو تجسيد البطولات التي قدمها أبناء المنطقة العربية على مر التاريخ، حيث ركز صناع هذه الأعمال على الجانب الإنساني لهؤلاء الأبطال وفق مقاربة فنية تظهر تفاصيل حياتهم، وعلاقتهم بأسرهم، والتضحيات التي يقدمونها في سبيل وطنهم. وهذا ما أعطى هذه الأعمال مصداقية وموضوعية في الطرح والمعالجة.
والآن بحكم الظروف السيئة التي نعيشها بسبب المحنة التي يتعرض لها وطننا منذ ما يقارب الخمس سنوات أصبح مفهوم المقاومة أكثر شمولية، فلم يعد يقتصر على الأحداث التاريخية فقط، بل صار يتضمن كل لحظة يعيشها المرء، وهنا تتجسد المقاومة بمفهومها الأصعب والأدق، فحياة المواطن السوري –مثلاً- مهددة في كل خطوة يخطوها، وإصراره على الخروج من بيته كل يوم، وممارسة حياته بشكل طبيعي متجاوزاً الخطر المحدق به، هذا بحد ذاته مقاومة أثبت الشعب السوري جدارته بها.
وبالعودة إلى حديثنا عن “دراما المقاومة” فإن الأعمال الدرامية السورية التي قدمت في الموسم الدرامي الماضي والتي عكست تبعات الحرب على المجتمع السوري كانت فعل مقاومة بامتياز، حيث كان صوت القنابل وأزيز الرصاص شاهداً حياً على الظرف الأمني الذي صُورت فيه هذه الأعمال، بدءاً من مسلسل “بانتظار الياسمين” تأليف أسامة كوكش وإخراج سمير حسين، مروراً بـ “امرأة من رماد” تأليف جورج عربجي وإخراج نجدت أنزور” إلى “عناية مشددة” تأليف علي وجيه ويامن الحجلي وإخراج أحمد إبراهيم أحمد، وصولاً إلى “شهر زمان” تأليف وإخراج زهير قنوع، ولا يقتصر الأمر على هذه الأعمال فقط، بل جميع الأعمال التي صُورت في سورية على مدى سنوات الحرب كانت دراما مقاومة، بغض النظر عن المستوى الذي خرجت فيه، والمضمون الذي طرحته مما يؤكد على قوة الدراما السورية وحضورها بهويتها وخصوصيتها التي لن يستطيع أحد أن يمسها. فقد جسدت هذه الأعمال عبر رسالتها الملتزمة التي اشتغل عليها الرواد واستمرت حتى الآن رؤية شمولية لثقافة المقاومة نأمل أن يكون لها تأثيرها الفاعل في وعي الآخرين.
سلوى عباس