على قيد التاريخ! (إلى تدمر)

غسان كامل ونوس

حين يتعرّض الحجر المؤرِّخ والشاهد المزمن، للاغتيال المعلَن والانتهاك المشهود، وتُصَمّ عن تحديقه الصارم وملامحه الصامدةِ مشاعرُ بشريّة، وتتغافل عن كبريائه المشرَعِ وأنينِهِ المكتوم، منبّهاتٌ عصريّة وحواسّ آدميّة، وتتشاغل عن لهفته الرغبات، وتتفلّت من ألفته النزوات.
حين تتقرّح الأجساد العارية من دنس طارئ ؛ هي التي لم تأبه لحرّ القرون، وتُنكَّس رؤوسٌ بتأثير وباء جامح؛ هي التي لم تكترث بالريح المدجّجة بالرمال والنصال.  حين تخجل المقابر المكتنزة بالرفات الخصيبة، من قامات تدبّ، وهامات تخبّ، وتترنّح الأعمدة المنذورة للبقاء من لُمَزٍ ووخز، وتنسدل ربطات الأعناق المعقودةُ بأهداب العصور، إلى عرج وحرج.
حين تطمى المفازات من عرق وأرق، وتعمى (الزرقاء) عن كثافة الظلال من كلّ فجّ، وتغصّ الكثبان بالأشباح، وتتنكّب الوهادُ ألوانَ القتام.
حين يحدث كلّ هذا، وتتحوّل المعابد إلى مسالخ، والأروقةُ المضمّخة بعبق العظمة إلى أنفاقٍ برائحة الجَلد ونسيس الحقد، والدروبُ المرصوفة بالخطا الهدّارة إلى مساحل، والمجاري المنذورةُ لِماء الحياة إلى منازف للموات.
حين يتحوّل الصمت المكتنز جلالاً وأنَفَةً، المنتثرُ ألقاً وشفقاً، إلى قرقعة الضحالة، وضجيجِ الانتقام، وعربدة القتام.. وفي أطراف (الحِمى) نسوة، لا وقت لديهنّ للسؤال (بأيّ ذنب؟!) قبلَ الاغتصاب، ولا للنعي مع السبي؛ وفي الأركان أطفال كبُروا على غير موعد، وغادروا الحلم بلا أسف ولا خلف، وفي الحياض نوق عُقرتْ، وبطون بقرتْ، وجياد كبت، وعيون لا تَرى، وأنفاس تهيم، وأرواح تحوم؛   وفي الساحةِ ولائمُ بلا دعوات، ودخان بلا نار، وجعجعة بلا طحن؛ وفي الواحة المُدْبِرة جوقةٌ منكَرة، وكلام (حنيف)، ولغو غير شفيف، ونهم وشبق وجوع.   فحدّث بأوقات ليست بحسبان، وآجال في خبر كان؛ وإنّ الإنس لفي خسران!
وحدّث بأنّ استعذاب الرّجعِ الدامي مصيدة، والاستكانةَ إلى أصداء الركب المظفّر مهلكة!. وحدّث بأنّ الزبدَ والآلَ والخَبَثَ والعبثَ والسؤالَ- رجسٌ أو خطيئة أو مسربٌ كريهٌ للخروج الآثم من الحياة الدنيا!.
وأمّا ما يمكث في الأرض، فهو القول الحقّ، والشروع في الفعل الحلال، والنهوض من المقيل المديد والشرودِ العنيد، والسعيُ إلى مرضاة النفس والعقل والناس، والمَقامِ بين الأجناس، والدفاع عن الأرض والعرض، عن الأصل والفصل، عن الماضي التليد، والحاضر الشهيد، والآتي الذي غدا على كفِّ حقودٍ أو رعديد أو شفا حضيض، ففي كنف الحضارة احتضرت رؤى العالم، وتعفّرت دُرّاته، وتشرذمت ذؤاباته، وأريقت سوائل وجهه، واحترقت أوراقه، وناحت حماماته، وانتبذتْ شمسُه عمقَ المحاق!.
الأمرُ لم يعد يطاق؛ ولا يتعلّق بي وحدي، وبكَ فرداً، وبنا جمعاً فحسب؛ بل بجميع سكّان الكرة اللاهية عن نفسها بالدوران حول نفسها، والجري خلف نفثات مجنونة، والهروب من نزوات ملعونة، بأفئدة مطعونة من قرب وبُعد، وأحاسيس مشحونة بالبغض واللؤم، والغدر والتشفّي؛ والندامى ساهرون محرِّضون، والقادرون في غيّهم سادرون؛ وإنّا في حبّنا لأنانيّون، وفي كرهنا لساديّون، وفي مرتع الوشاية والنميمة لمنغمسون، وإنّا للقيم والفضائل لمشوِّهون، ولآبائنا لعاقّون، ولأبنائنا لهاملون، وبالآخرين المصابين شامتون، وللنِّعم ناكرون، وعن المورد الصافي غافلون، وللجدول الرقراق عاكرون؛ فبأيّ الرصيد نكتفي؟! وبأيّ الرتب نحتفي؟! وأيَّ الخطا نقتفي؟! ولِمَ من محضر التكريم لا نختفي؟!
وبأيّ الخصال نعتدّ، بعدَ أن جَدّ الجِدّ؟! فهل بعدُ من التخويض بُدّ؟!وهل بقي غير الجسد (الفاني) سدٌّ في وجه الطوفان؟! والضفاف لا تَحُدّ، والحدود مرتع للقطعان، والفضاءات مضامير للغربان، والنسوغ تداهمها الديدان.
الحجر المصلوب أصدق، والمعبد الملغوم مؤرَّق، وكتبةُ التاريخ يستعدّون مرّة بعد مرّة لتدمير وتزوير!. فلا عذر ولا نَذر، ولا سبيل آخر أو دليل، ولا قرّ أو حرّ، ولا مُرّ ولا دُرّ. ولا مناص من الخلاص بالتي هي أحسن، وأوثق وأضمن، وأثمن وأغلى، وأعلى وأسمى!.