ثقافة

“غربة الذكريات” ما بين سندان العقل ومطرقة القلب

أن تخرج منكسراً من معركة غير متكافئة، لتدلف في أخرى أشد خسارة ومرارة وإيلاماً، لعلها كبوة جامح، تدفع بطلها للقيام من رماده. ما طعم الانتصار، سؤال كبير لا يعرف الإجابة عنه إلا من تجرع الهزيمة، من يسقط أولاً لا يحق له إملاء شروطه في الهدنة، تلك قوانين الحرب.
الحرب الآن مختلفة عن مثيلاتها، في عدها وعديدها كلياً، حيث لا مدافع ولا صواريخ، أبطالها جنود مجهولو الهوية، جغرافية ميدانها أجساد تفور تضاريسها وهادها/ أخاديدها/ كمائن لذتها اشتهاء، تلهب أوارها نار الشوق، تحت ضربات القصف الهمسي المكثف الذي يفل الحديد، هي المعركة الخاسرة دائماً بين العقل والقلب.
الروائية اللبنانية جمال الجمّال تطل علينا بباكورة نتاجها الأدبي عبر مرويتها “غربة الذكريات” الصادرة عن مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع/ بيروت2015.
تنحاز في مرويتها “غربة الذكريات” إلى أدب السيرة الذاتية، وهي مغامرة سرديةً مفتوحةً في مدونات السيرة، والتي عرفها تاريخ العالم الأدبي مع فارق سياقها وثقافتها المجتمعية، لم تستطع الكاتبة التملص لتقف كراوٍ محايد، بل بقي صوتها الأعلى، دأبت من خلاله التأثير على متلقيها، ببثه جملاً شعرية ناعسة في آن وآخر تنحو به صوب الأغنية الرومانسية، لتحاذي القارئ بــ”فيروز”، تركته تحت سطوة رخيم صوتها، تدغدغ فيه مواطن الحس الكامن: “يا حبيبي شو نفع البكي/ شو الو معنى بعد الحكي/ ما دامها قصص كبيري / وليالي سهر وغيري/ بتخلص بكلمة صغيري/ حبوا بعضن/ تركوا بعضن”.
وبين فضائين متصلين منفصلين “بيروت وباريس” دوّنت رحلتها المشبعة بالانكسارات التي تعود مرجعيتها للعادات والتقاليد البائسة التي تعالت على رفعة الحب، حين دلفها القدر في عشق فلاح يتلمس خبز يومه، وهي ابنة الحسب والنسب، لتضيع بين عشقها واسم العائلة المقدس، وفي لحظة تجلٍ وانكشاف ترمي ببيضة عشقها في كفة ميزان الحب، تنحاز له بتجرد، تعلن قيامته، لتستفيق بعد برهة من غيبوبة حريقها، والذي لم يكن بالمطلق إلا اشتهاء للجسد وأن الحبيب ليس إلا صياداً ماهراً، وهنا تبدأ المعركة الحتمية بين القلب والعقل، القلب الذي يشتعل تحت ضربات القبل من شفاه حبيب متمرس، والعقل الذي دق ناقوس الخطر من مغبة المغامرة، لينتصر الأخير وقت انقشعت الرؤية: “كل الذين أباحوا أجسادهم صبت عليهم غضبها، عندما استبيحت باسم الحب واحتقروا أنفسهم”، مقتنعة بقول مايكل كولنز بأن: “كل إرادةٍ لا تتغلب على العاطفة تنهار وتفشل”. لم تفض بها المواجهة أمام عائلة مركبة وحبيب خان الثقة، إلا بالفرار نحو فضاء آخر تحمل إرثها القديم الجديد بتحد قائلة: أصبحت آلة بلا مشاعر، عندي مهمة صعبة علّي إتمامها: أولاً دفنك بدون مراسم عزاء، وثانياً قهر ذكرك ورد الصاع صاعين.   تُوقف نشيجها بالقول: للكلمات جروح غائرة تركت ندوباً في روحي أقوى من فعلته. وتوقع مقتنعة بمقولة أندريه موروا: “الحب يتحمل الموت والبعد أكثر مما يتحمل الخيانة”.
وعلى الرغم من انسلاخها من واقعها القديم لم تستطع الخروج من جلباب عائلتها المتعالية، أمام زميلاتها، حين كانت تحكي عن مجوهراتها وفساتينها اللندنية ومعاطف الفرو، عملت بجهد جلي في صناعة شخوص مدونتها، لتجعلهم أقرب إلى المتلقي، بكل نزعاتهم النفسية، الأب المتسلط/ الخادمة الحنونة/ الأم المنشغلة بالإتيكيت لتجاري مثيلاتها، جاء هذا على حساب حرمان المتلقي من متعة الوصف لطبيعة الأماكن التي زارتها أو أقامت فيها مثل الجنوب اللبناني/ شوارع لندن وباريس التي سكنتها طويلاً وهي تزور اللوفر والشانليزيه وغيره، لكنها قارئة متمكنة استطاعت تمرير مقولات لعالميين كبار في نصها، دون أن يشعر القارئ أن هذه المقولات أتت دساً أو حشواً، وهذا يعني أنها أعدت عدتها مسبقاً وعن سابق إرادة وتصميم، قبل ارتكاب معصية الكتابة، قالت الحقيقة في مرويتها، لكنها لم تكتبها كاملة، وكي تغريني دعتني للاستماع إلى أغنيتها الفرنسية المحببة: “الصدق هو كلمة وحيدة في عالم ليس فيه إلا المنافقون، وإيجاد الصدق هو شيءٌ صعب في هذا الوقت، وهو أكثر ما أريد منك على الإطلاق”.
ثم تميد نحوي يا صديقي: أصعب أمر على الفتاة أن تجعل عالمها رجل، فيضيع عالمها إذا رحل الأخير. مع أنني أوافق ميخائيل نعيمة: “قولهم إن الحب أعمى مبالغة، والحقيقة هي أن الحب بعينٍ واحدة”. لكنني بالمطلق مع شكسبير: “الحب أعمى والمحبون لا يرون الحماقة التي يقترفونها”. تطوي الكاتبة مرويتها بتحد مع ذاتها في منولوج: أدار ظهره وراح بعيد اً إلى حياته، أخذ مني وطني وأهلي ثانيةً، فعدت إلى غربتي لا أملك شيئاً منه إلاَّ الذكريات.
لكنه الحب يا سادة، يجعلك توضب حقائبك باستسلام، وأنت تردد قول نزار قباني: “وعدتك ألاَّ أعود/ وعدت/ وألا أموت اشتياقاً/ ومت/ وعدت بأشياء أكبر مني/ فماذا بنفسي فعلت”.
طلال مرتضى