ثقافة

بعد إحرازها المركز الثاني في مهرجان كازاخستان للموسيقا ديمة موازيني: أتمنى أن أكون شعلة ضوء تنير الظلام، وهذا هو الدور الحقيقي لأي موسيقي

حكايتها مع الموسيقى، هي حكايتها مع الحلم الذي رافقها منذ الصغر، هذا الفن المضمخ بروحانية تسمو بالذات فوق ماديات الحياة، وتطلقها من أسر التفاصيل المملة إلى عالم الجمال الرحب، وإرادتها القوية وتحديها الداخلي لذاتها أوصلها إلى المركز الثاني في مهرجان كازاخستان الدولي لموسيقا الشعوب الذي أقيم مؤخراً. وعن هذا الفوز تحدثت عازفة القانون ديمة موازيني في حوار مع “البعث” قائلة: لقد تفاجأت عند وصولي إلى العاصمة أستانا بعد21 ساعة سفر أن آلتي لم تصل مع الأمتعة لخطأ في المطار، لكن ذلك لم يوقف عزيمتي، ولحسن حظي أن إدارة المهرجان قد اقتنت من السنة الماضية قانوناً تركياً، وكنت أملك مدة 16 ساعة فقط مع ساعات الليل لضبط أوتاره الـ77 والتعوُّد على أبعاده المختلفة بعض الشيء عن القانون العربي من حيث عدد العرب والأبعاد بين الأوتار، واستطعت ضبطه وتقديم أفضل ما لديّ دون أن يعرف أحد من الجمهور أو لجنة التحكيم بكل ما حدث لكي لا يُظهر لي أحد أي تعاطف.
حكاية وطن وروح الفارابي
تتلمذت الفنانة ديمة في البدايات على يد عازف القانون العراقي حميد البصري، ثم أكملت دراستها على يد الخبيرة الأذربيجانية ألميرا أخندوفا فتقول عازفة القانون في فرقة التخت الشرقي النسائي السوري عن ترشيحها ومشاركتها في المهرجان:
في البداية تم ترشيحي من قبل الدكتور سليمان زيدية للمشاركة في مهرجان كازاخستان الدولي لموسيقا الشعوب على آلة القانون، فكازاخستان هي المدينة التي ولد فيها الفارابي وهو الأب الروحي لآلة القانون والذي طوّرها، وأنا مثّلت جزءاً من روحه من خلال المقطوعة التي ألفتها وقدمتها لمدة خمس دقائق في المرحلة الأولى من مسابقة المهرجان وتحمل عنوان “روح الفارابي” لتكون بمثابة تطوير لروحه. أما عن المسابقة فهي دولية وفيها تحد كبير، ينبع من أن المنافسة فيها ليست لآلة واحدة إنما مع آلات وفرق مختلفة، مما يخلق صعوبة وتحد لإثبات الذات لأن لكل آلة طبيعة صوتية مختلفة ومميزة، وأيضا صعوبة مقارنة العزف الإفرادي بالجماعي. وتتابع: بعد أن تحقق نجاحي وتأهيلي للمرحلة الثانية، قمت بعزف مؤلفي الثاني بعنوان “حكاية وطن”، وقمت بشرحها باللغة الإنكليزية، وهي تحكي عن بلدي سورية في الماضي والحاضر والمستقبل، فكان الجمهور على موعد لسماع صوت سورية بمراحلها الثلاث: صوت الماضي، صوت السلام والأطفال والعظمة الموجودة فيها، وبعدها صوت الحاضر حيث أظهرت من خلال التجديد بتقنيات الآلة صوت القذائف والصواريخ والحزن الموجود في قلب كل سوري، وفي الختام صوت المستقبل المتمثل بالتفاؤل والثقة بأن الشمس ستشرق من جديد في سورية، وأن عصافير السلام سترفرف فوق بلدي الجميل من جديد.
وصلت الرسالة
شاركت ديمة في ورشات عمل كثيرة، وفي العديد من الأسابيع الثقافية السورية، وكان لها شرف المشاركة في حفلات استقبال الملوك والرؤساء في سورية فتقول رئيسة قسم الموسيقا الشرقية في معهد صلحي عن المسابقة:
يقف المتسابق على المسرح بحضور الجمهور ولجنة التحكيم على منصة مرتفعة أمامه مؤلفة من ثمانية خبراء من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم الدكتور سليمان زيدية، وعندما أنهيت مقطوعتي الثانية (حكاية وطن) وقف الجمهور وصفق لي  لمدة عشر دقائق وقال الجميع أن الرسالة وصلت. فالمتسابقون كانوا من مختلف دول العالم من بينهم هنغاريا، بلغاريا، مولديف، داغستان، قوقاز، روسيا، منغوليا، والصين وأوزبكستان، وتركيا، وألمانيا، وكنت أنا المتنافسة الوحيدة من البلاد العربية والحمد لله أني مثلت بلدي سورية عبر آلة القانون بطريقة راقية تعبّر عن الثقافة السورية الشرقية، وفي الوقت ذاته تبين التطور والمرونة الموجودة في صوت هذه الآلة.
جائزة التميز
وعن لجنة التحكيم وفوزها تقول ديمة موازيني:
كانت لجنة التحكيم متعددة الجنسيات من بلدان مختلفة، وهذا يضمن الحيادية في التحكيم وكانوا منفصلين عنا حتى في أوقات الراحة والغذاء، وقد حصلت فرقة موسيقية هنغارية مكونة من خمسة أشخاص على المركز الأول وعن نفسي أنا راضية تماماً تبوّئي المركز الثاني لأنه لا يمكن مقارنة العزف الجماعي بالعزف الإفردي. إضافة لاستلامي جائزة التميز في المهرجان لتمثيلي آلة القانون وتقديمي مقطوعتين من تأليفي، والجميع أخذ شهادات تقديرية. وفي الحقيقة كان تفاعل الجمهور ممتعاً والتنافس شريفاً، وكان الجو راقٍ جداً بين الجمهور، وكازاخستان بلد محب أعجبت بتطوره نسبة لعمره 17 عاماً، فهو متطور جداً وله آفاق مستقبلية إيجابية.
الموسيقا لغة عالمية
وعن اختلاف مؤلفاتها بين الشرق والغرب تؤكد موازيني: لدي محاولات في التأليف الموسيقي الآلي والغنائي أحاول من خلالها تقديم أفكاري الموسيقية والإنسانية لجميع الثقافات، فالموسيقا لغة عالمية تصل للجميع والدليل على ذلك مقطوعة “حكاية وطن”  التي وصل إحساسها للجمهور بوضوح أثناء أدائي لها في المهرجان.
وختمت موازيني حديثها مع “البعث” بتوجيه الشكر للقنصل الفخري السوري في كازاخستان سمير الدرع لاستقبال وجهوده الكبيرة لتأمين كل شيء لنا لنقدم الأفضل، فنحن كموسيقيين دعاة سلام دائماً، وأنا شخصياً أتمنى أن أكون شعلة ضوء في أي ظلام موجود، وهذا هو الدور الحقيقي لأي موسيقي، والحمد لله استطعت بمشاركتي الأخيرة إدخال الفرحة لقلوب السوريين الذين لازالوا رغم كل الظروف يزرعون الورد في زمن الحرب وإحياء الحياة من جديد، وهي فرصة بحد ذاتها لاستغلال اللحظات الجميلة في هذا الزمن الخالي من الفرح للتأكيد على وجود أمل وتفاؤل.

بطاقة تعريف
ديمة موازيني:
-خريجة المعهد العالي للموسيقا بدمشق بدرجة ليسانس على آلتي القانون والبيانو باختصاص في مادة التحليل الموسيقي، بالإضافة لنيلها دبلوم في التأهيل التربوي الموسيقي- جامعة دمشق. -تعلمت العزف على آلة البيانو على يد الأستاذة اليكا البني، كما اختصت بمادة تحليل القوالب الموسيقية على يد الأستاذ الروسي فيكتور بابينكيو وبرعت فيها.
-عينت رئيسة قسم الموسيقا الشرقية في معهد صلحي الوادي ودَرّست هناك آلة القانون منذ تخرجها، وتسلمت رئيسة قسم آلة القانون في معهد الشبيبة للموسيقى وأستاذة فيه (2002-2010). دَرّست منذ تخرجها حتى عام 2006 مادة تحليل القوالب الموسيقية لطلبة السنة الثالثة في المعهد العالي للموسيقا.
-عضو مؤسس في العديد من الفرق: جسور، الأوركسترا السورية، زرياب، وأوركسترا سيد درويش، وفرقة زهر البيلسان النسائية، وإوركسترا طرب وغيرها من الفرق الشرقية، وبفضل هذا التنوع كان لها مشاركات وحفلات هامة محلية أقيمت على أهم المسارح السورية كدار الأوبرا السورية بكل صالاتها، ومكتبة الأسد، ومسرح كلية الفنون، قصر العظم، المتحف الوطني المركز الثقافي العربي والفرنسي والألماني والروسي والفلسطيني. وكان لها مشاركات دولية وعربية في بلدان متعددة أمثال (ألمانيا، إسبانيا، أرمينيا، روسيا، مصر، الأردن، لبنان، أبوظبي، دبي، الفجيرة، البحرين، قطر، سلطنة عمان، العراق). وحصلت على شهادات تقدير من مهرجان البحرين للموسيقى ومهرجان قيثارة الروح واحتفالية بغداد عاصمة الثقافة العربية.

جُمان بركات