تيمة الاحتراق وسؤال الاختراق في القص الأدبي “مقامُ الجرح” -أنموذجاً-

من أين ألج إلى  “مقام الجرح؟. كيف لي إعادة إحياء ما هو متوارٍ في مقام  الجرح أو الذاكرة، ومن أي العتبات أتسلل كي لا أحترق كما يحترق البخور من شعاع المعنى؟ كيف يمكن للأدب أن ينهض من تحت أنقاض الخراب ويكسر أغلال الفكر ونبدد معاً وهم الهزيمة الأبدية، ثم ما الذي تحجبه هذه العتبات المقدّسة؟ هل ثمة أشباح يحيلها القص على مملكة الجمر كي تصاب بداء الصمت أو العجز؟.
إن تيمة الاحتراق، عند الأديبة “نجاح إبراهيم”، نابعة من نار الوجد والأحاسيس الدفينة، لواقع مرير ومؤلم. يتجلى من خلال بركانية النص الأدبي المتضمن للغة متفجرة. إنه مفهوم البركانية عند الفيلسوف الفرنسي: “جاك دريدا”.
ضمن هذا الأفق ووفق هذه الأسس تقوم القاصة بتطهير جرحها وبتعرفة صرح مشروعها السردي، وتعلن شارة البدء بالكلمة الآتية: “أمي”.. فتأمر القاصة من ألف البدء إلى ياء الاحتواء بالتضحية، هي الذات المتفانية.. وتبدو الإشارة واضحة الرؤية إلى تمزق الكاتبة بين عاطفة الأمومة ومقتضى ملكة العقل..إذ تقول: “أمي، كومةٌ من حطبٍ عتيق”، وكنت أتمنى عليها لو قالت: أمي، كومةٌ من ذهب عتيق. رغم أن النص عند “نجاح إبراهيم” يتحرك بقوة انفجاره الداخلي في اتجاه الأفق البعيد لعالم الطهرانية والصفاء والخوارق، فالبركانية تفجر المعاني، المولدة لفضاءات متحررة، تنحو نحو إشراقة الاختراق. فلغة الاحتراق تبتعد عن كل إعلامية، وتتعرى من جسمانيتها، لتنكشف أنواراً تضيء بوهجها الواقع المظلم والمعتم كما تكسب النص نورانيته. ففي ظل هذا الاحتراق وأنات المكتوين تأتي هذه القامة لتروي ظمأن وتثلج صدورنا، لتمد جسراً نحو الإنسانية، فأفق الإنسانية أرحب من سجن فئة ضيقة تنكفئ على الدم.
بهذه المفاتيح السهلة الممتنعة يستطيع القارئ الحقيقي الولوج إلى عوالم هذا المقام الأدبي والتحقق بحقائقه. لا شك أن الأديبة تطلب “قارئاً عاشقاً سالكاً مسافراً”..  يرتقي من مجرد مستهلك لمادة مكتوبة إلى ذائق لمعانيها ومتحقق بحقائقها.
وبمجرد ما يطالع القارئ “مقام الجرح” تلتمع في ذهنه دهشة استثنائية وتتنازع ضميره أسئلة شتى، إنها بإيجاز ثمرة اختراق العنوان للوظيفة السيميائية المألوفة للعناوين. ففي السائد السردي العنوانُ دال يكثف دلالة النص أو موجه لتلقيه ومحدد لأفق انتظار القارئ أو هو ثريّا معلقة على باب المقام /النص تنير مسار عوالمه، أما هنا فنحن أمام “ما رواه القرار”: أبعد ما تكون عن الإثارة أو توءم المجرّة، إننا أمام امرأة لا تمنح قلبها لكل مبصر، بل تستدعي قراءة النبض/النص بمشكاة البصيرة لإنارة دلالات المقام نفسها، وإن كان شعورها الإنساني الجريح يتوق عبر التخييل إلى توكيد الهوية، ورسم الاختلاف من خلال جمالية المقاومة التي تعتبر بديلاً للخطاب المتشدد.
فالمقاومة الإبداعية يجب أن تكون نهجاً بديلاً في تصور التاريخ البشري، ومن المهم والأهم لنا كقرّاء أن نختبر قدرة هذا البديل على تحطيم الحواجز القائمة بين الثقافات الإنسانية.
وعليه فضاء العنوان “مقام الجرح”.. يحيلنا على استحضار بنية النار، وتفصح عنه من حرقة متجردة في وجدان القاصة، التي تدخل مقام القصة/الجرح متجرعة لهيب الاحتراق لاختراق فضاء آخر،  تقول: “لهم الوطن”..”وأنت ربّ العائلةِ فابقَ.”
هذا “ما رواه الحبرُ على البياض”.
إن هذا الاحتراق الروحي تتفيأ القاصة تحت ظلال لهيبه متخلّصة من برودة الترحال والضياع والنزوح. إنها لحظة من لحظات الشوق الممهور بالألم والمكابدة للارتقاء إلى مقام تروي فيه جرحها، تقول: “خضَّبتَ البياض من جديدٍ وكتبتَ بسرعة، فجاءتِ الحروفُ مائلةً: “الوطنُ أهم”. “هذا ما رواه الألم”.
إن اختراق مقام الجرح، يُعد خلاص القاصة من كل هذه المشاق والمرارة، وتغوص في ثنايا اللحظات الصوفية، التي تتجاوز فيها العالم المرئي من خلال سفر روحي.
ويتخلل الجرح /السرد الموشوم باليقين نتوءات سردية تعود إلى الماضي عبر الاستيهامات التي تبرز حنين الشخصية إلى الماضي والخوف من المستقبل الذي رواه دم الحاضر، تقول: “فركضوا حيث تراكض الناس، وفاطمة الملتاعة علمتْ وهي تحتضن ثيابه، وقد علقت قطعاً من جسده فيها..”.

القاصة تضع هذه المقاربات الزمكانية كاستلهامات لتفتح أواصر الحوار بين الأمكنة والأزمنة، والنص والمتلقي كأطر معرفية لمحاولة تحريض أفق المتلقي ودفع إنتاجية الأدب الذي  ينظر إليه باختين على أنه “حوار بين النصوص من جهة، وبين المعرفة المسبقة لدى القراء والمؤلفين من جهة ثانية”.
وهكذا جاءت القصة مقسمة إلى مقاطع سردية معنونة ومنفصلة، تبدو لأول وهلة مستقلة بعضها عن بعض، لكن سرعان ما يلمح القارئ مدى ترابطها فيما بينها، بالتصريح تارة وبالتلميح أحياناً.
لذا فإن احتراقها: اختراق لعالم الكشوفات، التي تتراءى لها من خلال وجدها ورقصات قلمها ودورانه مما يؤهلها لعالم تسمو فيه الروح للظفر بما تسمو إليه تقول: “فقط ثمّة قلب أمٍّ ازداد احتراقاً حتى تفحّم وصار يليق بلون حزنٍ أبديّ”..
إن لغة الاحتراق تحيل على عالم آخر، إنه عالم التصوف الذي يتجاوز الذات، وكل ما يعلق بها من مدنس يجعل القاصة تتيه في عالم  السواد/الحبر في اتجاه البياض /الوجود العرفاني ويستحيل الاحتراق اختراقاً تقول القاصة: “في الطريق، عند حاجز قريب من مقام السيدة الطاهرة.. لا تدري فاطمة كيف نبت لها أجنحة وطارت من البيت مخترقة جدراناً، وباباً، سقفاً، عتبة، جرحاً، تاركة بعض الأطفال نياماً..”.
إن مقاماً بهذه الملامح يفجر أسئلة تتعلق بوظيفة الجرح نفسها وإن سلكت القاصة طريق الشك ومن ثم العودة إلى جوهر الحقيقة يكمن في المنهجية التي أبدعت فيها، والتي من خلالها وصلت إلى صوت الحقيقة التي لا مراء فيها ويزهر الأمل. تقول:  “استطاعت فاطمة أن تعرف كل ذلك، وحين أرادت أن تمضي، لم تستطع أن تنهض من مكانها، كان ثقل الألم أكبر من أن تحمله، ومع ذلك سمحت لعينيها المبللتين بالدمع والتراب أن تتجها صوبَ بيت فيه وليدٌ يبكي ..”.
وصفوة القول: المقام الروحي هو ما تعجز الأشكال التعبيرية المألوفة والمستهلكة عن التقاطه.. ولذلك نلمس في “مقام الجرح” أسلوب التقابل أو الثنائيات الضدية من خلال هذا الاحتراق والاختراق، وهذا الراهن والاستشراف، وهذا الحلم والفجيعة في كل شيء ابتداء من  العنوان “مقام الجرح”: قصة تمتزج في صلبها روائح الموت بأريج حيوات لا تعرف الموت، وتنميقات العمران بركام الخراب وأنين النفوس المنكسرة وتعالي النفوس الجشعة وأقبية الماضي بشجن الآتي ونزف الحاضر.
وفي طياتها تتواشج أنساق الأدب وأوزار التاريخ وفضاءات الجغرافيا والتواءات السياسة وحيل ودهاليز النفوس الرخيصة وعتمات النفس البشرية.. وتزاوج الحكي بين الاستغراق في الروي وتقنية التشذير..”مهما كُتب، ومهما سيكتب، لن يصل يوماً قامة الجرح، ويروي دفق نزفه”.. مما تسمح بتعدد الأصوات والمواقف وتتيح تجنب الخطاب الأحادي والصورة النمطية عن الحقيقة، وكما بقيت لغتها وفية لأنفاس الاحتمال، كذلك بقيت وفيه لاحتضان بذور الأمل وتوليد براعم الفكر والوعي.. تقول: “سمحت لعينيها المبللتين بالدمع والتراب أن تتجها صوبَ بيت فيه وليدٌ يبكي”. لتتخلق من رحم الجمال أسئلة مزعجة مضمخة بعبق “مقام الجرح” تجوهره نفحات الأمل.
ليس هذا أبداً تحميلاً للقصة ما لا تحتمل، بل ربما كان بعض ما تحتمل، وللقارئ أن يكشف عن سبل وجهات دلالية أخرى لم تشر إليها هذه القراءة، وعن مداخل خبيئة تنفذ منها إلى “مقام الجرح”، هذا المقام العرفاني المتعدد والثري والواعد والذي تُوقعه صاحبته بأبجدية وجدها ورحيق تجربتها وفرادة إمضائها.
أحلام غانم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى