ثقافة

مبدع خارج التاريخ واللغة

في كل زمان ومكان تسعى الشعوب لإبراز ماضيها بشكل مشرق، وتعتز بلغتها حتى إن بعضها قد يلجأ للتزوير، فأمريكا على سبيل المثال عندما أبادت الهنود الحمر لتبني حضارتها لم تسرق الأرض فقط، بل جهدت لسرقة التاريخ للتغطية على مجازرها هناك، والكيان الصهيوني في العصر الحديث يسعى بشتى الوسائل لتزوير تاريخ الأرض العربية الفلسطينية وينسب زوراً المدن واللقى الأثرية وحتى الأزياء الفلسطينية المعروفة للتراث اليهودي، ليبرر وجوده وأحقيته بالأرض.
ما استوجب هذه المقدمة المصادفة التي جمعتني بأحد الشعراء “الكبار” كما قدّمه أحد الأصدقاء، أثناء حضورنا محاضرة عن اللغة العربية. وقبل بدء الفعالية، وخلال مناقشة حول جذور العربية اعترض الشاعر على الحديث عن أصالة اللغة العربية بقوله: إنها لا تحمل من الأصالة شيئاً وليست سوى تجميع من لغات أخرى. بالتأكيد هذه المقولة لم ترق لأي من الحاضرين حتى ممن يمتلكون ثقافة بسيطة عن تاريخ لغتنا العربية، ومفرداتها التي دخلت إلى العديد من اللغات الأخرى كالتركية والفارسية والماليزية، وهو ما تؤكده وتوثّقه المراجع الأجنبية قبل العربية وعندما سقنا لذلك الشاعر بعض الأدلة من كتب التاريخ، اعترض ثانية ليقول أنا لا أؤمن بشيء اسمه تاريخ، ولا بأي حادثة ذكرت فيه، لأن كل شخص يكتب التاريخ كما يريد، وهذا كان كفيلاً بوضع حد للنقاش ربما عملاً بمقولة “ما ناقشت جاهلاً إلا غلبني” اكتفينا جميعاً بتبادل النظرات فيما بيننا، لأنه لو صدرت تلك التصريحات عن إنسان جاهل لوجدنا المبرر بأنه لا يعرف شيئاً عن تاريخ بلده ولغته، لكن المشكلة أنها جاءت على لسان شاعر، هو من يفترض أن يكون الأكثر قرباً إلى اللغة والأقدر على معرفة إمكاناتها لدخوله العميق في تفاصيلها. أمام هذه الحالة وحالات قد تكون مشابهة لم أجد تفسيراً منطقياً لأسلوب البعض في التفكير وقراءة المعادلة بصورة مغلوطة. ترى ما المشكلة إن دخلت بعض المفردات من لغات أخرى إلى لغتنا؟ ولماذا يعتبرها البعض شبهة وانتقاص من أهمية اللغة؟ وهل يمكن أن نجد بطبيعة الحال لغة صافية لم تدخل إليها مفردات من لغات أخرى غيرها؟ ألا يحمل ذلك في طياته دلالة على حيوية هذه اللغة وقدرتها على التطور وإخراجها من إطار اللغات الجامدة. حقيقة المبرر الوحيد الذي وجدته لهذا الشاعر أنه لم يقرأ تاريخ بلده جيداً، والمشكلة الأكبر أن يكون قد امتهن الشعر دون أن يقرأ عن تاريخ الشعر والوزن وتراكيب القصيدة. حينها أعتقد أن رؤيته الخاصة للتاريخ ستنطبق بحق على وصفه بالشاعر الكبير.
جلال نديم صالح