ثقافة

معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الثامنة والعشرين: كتب مسموحة تمنعها الرقابة و غياب غير مبرر لدور نشر محلية.!

لم يُسحب كتاب الإعلامي سامي كليب من معرض الكتاب “الحرب السورية بالوثائق السرية” كما أشيع لأنه لم يخرج من الصناديق الكرتونية أصلاً, المتهم بالتقصير هنا هو الروتين والرقابة الداخلية في وزارة الإعلام, فبينما انتهى اتحاد الكتاب والرقابة من إجراءات الموافقة أصولا على كتاب (كليب) كان المعرض قد شارف على الانتهاء, وبالطبع ليس ذنب الكتاب ولا المؤلف, فالأخيرين كانا ضيفا (مركز دمشق للأبحاث والدراسات) في شهر آب الماضي، إذ تم توقيع نسخ  وإهدائها لعدد من الشخصيات ووكالات الإعلام والمحللين وأمام أعين الكاميرات, لكن على ما يبدو لم تعلم الرقابة بتلك الزيارة، وإلا لما وقفت حاجزاً منيعاً بين كتاب الإعلامي اللبناني والمهتمين الذين انتظروا حصولهم على نسخة من (الحرب السورية) كانتظارهم للمعرض الغائب منذ سنوات, وإلا ما المبرر الذي يسمح للكتاب بالدخول مرة وعدم منحه التصريح مرة ثانية!.
الكل انتظر الدورة الثامنة والعشرين بشغف لاسيما أن المعرض عاد من منفاه في مدينة المعارض الواقعة على طريق مطار دمشق الدولي، ليعود إلى أحضان مكتبة الأسد الوطنية, وهنا لا بد من التعريج على بعض النقاط بعد هذا الانتظار الطويل, بدءاً بالإعلان عن المعرض والدعوة أو الترويج الالكتروني له عن طريق موقع مكتبة الأسد الالكتروني المتواضع جداً, حيث زعم بعض أصحاب دور النشر بأنهم لم يعرفوا عن المعرض إلا في وقت متأخر، ولم تكن هناك إعلانات عن هذه الفعالية كما يجب و يليق بسمعة (عرس الكتاب السوري).
لن نعتب على غياب الأكياس البلاستيكية بعد الأيام الأولى، فالمقصود بيع الكتب مقابل التخفيض، إذ لم يرد شيء عن الأكياس في إعلان المعرض، والعقد شريعة المتعاقدين, لكن العتب على جناح وزارة الثقافة (الهيئة السورية للكتاب) الذي لم يتناسب أدائه مع العرض المغري الذي قدمه للقراء، فعدد الكتب المهمة المعروضة لم يتناسب مع عدد الموظفين القائمين على خدمة الزوار, فبالكاد تستطيع التسلل للحصول على كتاب أو الاطلاع على محتوى جناح الوزارة الذي بقي مكتظاً طيلة فترة المعرض، فمن ناحية جاء غياب بعض دور النشر لصالح كتب الهيئة السورية، ومن ناحية ثانية كانت أهم الحسومات على سعر الكتب عبر إصدارات الوزارة التي بلغت نسبتها ستين بالمائة وكان من الضرورة مضاعفة المساحة.
الملفت للانتباه أيضا غياب العديد من الدور السورية التي تحرص على المشاركة في المعارض العربية والدولية في كل من “بيروت, الشارقة, الرياض, القاهرة, اربيل, الجزائر, أبو ظبي” إلا أنها (كفت مغيب) أثناء فترة المعرض، مع أن فرق حجز الجناح في المعارض الخارجية يفوق حجزه في معرض دمشق عشرين مرة أو أكثر؛ إضافة لمصاريف الشحن والإقامة التي يدفعها الناشرون المتغيبون عن معرض بلادهم!.
الناشر والدولار:
لم نعرف فعلاً سبب عزوف بعض الدور المحلية عن الالتقاء بجمهور القراء, فهل بات حجّهم الثقافي متوقف على المعارض الخارجية، أم أن الناشرين السوريين المتغيبين بدؤوا يعرفون (قُبلتهم المالية) ربما كانت مشاركتهم فيما لو تمت في معرض دمشق تحرمهم من المشاركة في معارض الخليج والمحميات الأمريكية التي يبيع فيها هؤلاء إصداراتهم بالدولار؟ ربما، لكن هذا لا يعفِ هؤلاء من الحضور والشعور بالمسؤولية إزاء وطنهم الذي يوفر لهم طباعة كتبهم وبمطلق الحرية، مستغلين فرق العملة في مسائل الطباعة بالليرة والبيع بالدولار!.
لكن في النهاية من ظلم الكتاب والقارئ والمؤلف الذي انتظر أن يشاهد كتابه في معرض وطنه على الأقل, وليس ذنبه أن لا تتطابق حسابات دور النشر على حسابات المعرض, وهذا بمثابة هدف سجلته الدور الدينية بحضورها الطاغي في مرمى الدور العلمانية الغائبة, علماً أن بعض دور النشر كان حاضراً وقدم لجمهور القراء التنوع المنشود, بينما غاب كل من “الحوار, الجندي, ورد, التكوين, ممدوح عدوان, نينوى, رفوف” أما داري (قُدمس) و(كنعان) فقد تفوقا على بقية الدور الغائبة واستطاعا الوصول بعد جهد من حي “الحلبوني” إلى ساحة الأمويين.
النشاطات المرافقة للمعرض كان أغلبها من نصيب اتحاد الكتّاب العرب الذي استأثر بالمنبر لأعضائه، ونظم تواقيع عدة كتب اعتبرها رئيس اتحاد الكتاب العرب -حسب تصريحاته- أنها “ظاهرة أدبية جديدة” بينما نعرف ويعرف جمهور معرض دمشق للكتاب أنها ظاهرة قديمة حفلت بالعديد من حفلات التواقيع كان أبرزها توقيع محمود درويش عام 2006 لكتابه “كزهر اللوز أو أبعد” كما وقّع الروائي حنا مينه في دورات سابقة إلى جانب كل من منذر المصري وغيرهم.
لكن حتى توقيع الكتب كان ضعيفاً وبعد انتظار الجمهور لينال توقيع كتاب مترجم عن عواصف الدم, تأخر مترجمه عن الحضور إلى حرم المكتبة بسبب عطلٍ في سيارته! فاضطر اتحاد الكتاب أن يسعفه بسيارة متواضعة حتى يجنّبه غلاء أجور النقل واستغلال سائقي التاكسي للظروف, لكن مع كل هذه التسهيلات التي قدمها الاتحاد,  لم يوقع صاحبنا  أكثر من عشرين نسخة ويغادر المعرض على عجل؟   أيضاً لم يكن لاتحاد الناشرين دوراً يذكر إلا من خلال الخُطب الرنانة, فلم نشاهد دوراً عربية ولا عالمية باستثناء بعض الدور اللبنانية والمستشارية الثقافية الإيرانية, وعدة كتب غير مكتملة الأجزاء في جناح المركز الثقافي الروسي, حتى الدور السورية لم يكن لاتحاد الناشرين أي دور في مسألة غيابها أو حضورها, مع أن الاتحاد وعد القارئ السوري بمشاركة لدول فاعله بالنشر, دون أن يستطيع تقديم  إضافة واحدة لهذه الدورة عن طريق دار الحافظ سوى كتاب “كيف تصلي”؟.
لصوص الكتب سقى الله:
وما ميز هذا العام وجود كتب لعدة وزراء سوريين احتلت الصدارة بالعرض مع كتب أعضاء الاتحاد, بينما كتب الأدباء ورؤساء الاتحاد السابقين والكتب المترجمة وقصص الأطفال كانت موزعة كيفما اتفق, كما غابت عن المعرض ظاهرة “لصوص الكتب” لا أحد يطلب منك فاتورة الشراء. حتى أن أحد القائمين على الأجنحة أكد على أنه سيسمح للصوص الكتب باختيار ما يريدون وسوف يغضّ البصر, بشرط أن يعودوا لارتياد المعرض!.
كذلك شعراء العمود والنظم كانوا مستعدين لتقديم حناجرهم مع كتبهم المركونة على رفوف الاتحاد والتي بقيت وحيدة حتى نهاية المعرض, كما اختفت ظاهرة الكتب المقرصنة عن دورة هذا العام.
أحد رواد المعرض صاحب بسطة لبيع الكتب قال بأنه يعرف أغلب زوار المعرض فهم زبائنه، مؤكداً أن مبيعاته في الكتب لم تقل خلال فترة المعرض! بل جزم أنها ازدادت بسبب فارق السعر لصالحه وغياب العديد من الإصدارات العربية والسورية الجديدة عن سوق العرض, مؤكداً على أن القارئ لا يعدم وسيلة للحصول على كتابه المفضل, مضيفاً أن المعرض يزيد نسب مبيعات أصحاب “البسطات”  فمن ناحية ذكّرت الدورة الثامنة والعشرين للمعرض بعد توقف لخمس سنوات القارئ بموسم الكتاب, ومن ناحية ثانية جعلت هذه الدورة قارئنا يبحث عن عناوين وكتب لم تشارك في المعرض ما دفعه للقول ضاحكاً: “سيدي..بتغيّم بالمعرض بس بتشتي عنا”.
الجديد هذه الدورة معرض الكتب النادرة والمخطوطات الأثرية والتاريخية ومعرض المقتنيات التراثية، كما رافق المعرض عروضاً سينمائية لأفلام سورية وهو شكل أقرب للتظاهرة الثقافية من معرض للكتاب. لاشك أن التحدي كان كبيراً في مرحلة خطيرة من حيث المكان والزمان, وهي بمثابة أول هطول لوزير الثقافة تزامناً مع توليه الحقيبة الثقافية للبلاد.

لؤي ماجد سلمان