الأعمال التلفزيونية الكوميدية فــي ظـل الحرب حاجــــة أم تغريــــــد خــــارج الســـــرب؟!

=هل صحيح أن الأعمال التلفزيونية الكوميدية اليوم في ظل الحرب هي حاجة وترف وتغريد خارج السرب، خاصة أن الناس ليس لديها استعداد للضحك؟ أم أن الناس، كما يقول البعض، ملّوا من الهموم، والأحزان، والأعمال التي تحاكي واقعاً هم بالأصل يعايشونه؟!.
تبدو الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بالأمر الصعب بعد أن عاش السوريون أشد أنواع الألم والمرارة في زمن الحرب عليهم، إذ يؤكد المخرج التلفزيوني غسان جبري على الدور الكبير الذي من الممكن أن تلعبه هذه النوعية من الأعمال في التخفيف من ألم وفجاعة المصاب، وأشار إلى أنه، وأثناء الحرب العالمية الثانية، حافظ أحد المسارح في لندن على أعماله الكوميدية رغم مآسي الحرب، وكانت هذه الأعمال تخفف من فظائع الحرب، وتدفع الجمهور إلى الضحك، وقد مُنِح هذا المسرح من قبل الحكومة الانكليزية وسام ربطة الساق، وهو أعلى وسام في الامبراطورية، لأنه استمر في أعماله الكوميدية أثناء الحرب.

ما هو خيالي
ويوضح غسان جبري أن العدوان علينا استهدف من ضمن ما استهدف الأداء الفني السوري،، فتمت مقاطعة الإنتاج السوري، وتوقف التمويل الخارجي، وتم تهجير بعض الفنانين في هذا الجو المشحون، كما وقعت الأعمال الدرامية الجادة في فخ الريبورتاجية، واستطاعت الكوميديا السورية أن تقف بصلابة أمام هذا العدوان، ولعلّ مسلسل “بقعة ضوء” خير شاهد حين وقف بصلابة، وسخر بقوة من العدوان، معترفاً “جبري” في الوقت ذاته بوجود أعمال اعتمدت على التهريج، مبيّناً أن العمل الكوميدي يؤكد الثقة بين الإنسان ووطنه، وهو يحتاج إلى حرية في التعبير، وهامش الحرية في سورية أكبر منه في عدد كبير من الدول العربية، منوّهاً إلى أن الدراما يجب ألا تخضع لأحداث آنية، لأن رصد هذه الأحداث من مسؤولية الأعمال الوثائقية، والريبورتاجات، وبالتالي فإن عظمة التراجيديا أو الكوميديا هي في أن تجمع بين ما هو خيالي، وما هو حقيقي.
ويتفق المخرج التلفزيوني علاء الدين كوكش مع غسان جبري في حاجتنا إلى الضحكة في هذا الزمن من خلال الأعمال الكوميدية، وذلك للترويح عن النفوس المتعبة، ولا ينكر أنه كمخرج يتمنى أن يجد نصاً في هذا الاتجاه، بينما يفرّق المخرج التلفزيوني مظهر الحكيم بين الكوميديا والتهريج، فما يحدث في سورية منذ ست سنوات مؤلم وقاس، وبالتالي فإنه عندما تُقدّم الكوميديا في إطارها الفني تكون عملاً إنسانياً بامتياز، رافضاً تقييم الأعمال الكوميدية التي قُدّمت خلال الأزمة، تاركاً الأمر للجمهور.

المعادلة لا تتغير
ويعتقد الممثل يوسف المقبل أنه ليس هناك وقت محدد نقول فيه يجب أن نقدم عملاً كوميدياً، أو تاريخياً، أو دراما اجتماعية، فالمُشاهد يتقبّل ويتابع أي عمل فني يحترم عقله، أما في ظل ظروف الحرب التي يعيشها الوطن، فالمعادلة لا تتغير برأيه، فكل عمل طالما أنه يحقق المعادلة البسيطة التي تتمثّل بنص ذي محتوى فكري، وإخراج يمتلك حالة الوعي، وتمثيل يتعاطى مع مادة النص باحترام واحترافية، فإن المُشاهد سيتابع هذا العمل الذي يحترم وعيه، ولكن وبنظرة بسيطة لما يُقدَّم من أعمال تحت عنوان الكوميديا يلاحَظ أنها في المجمل أعمال تافهة لا ترقى إلى المستوى الذي وصلت إليه الدراما السورية في سنوات ما قبل الحرب واختياراتها للموضوعات التي تهم المواطن السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام، مع إشارته إلى وجود بعض الاستثناءات التي حققت هذه المعادلة، ولكن نسبتها قليلة إذا ما قورنت بالكم الرديء.. وعموماً يعتقد المقبل أن ما علينا أن نقدمه هو أعمال تبتعد عن تناول الأزمة السورية لأن ذلك يحتاج إلى كتّاب من نوع خاص، خاصة وأننا نشهد ولادة قيصرية للكثير من الكتّاب والمخرجين والممثلين.

لكل عمل قيمته
يتعين على المبدع في ظروف الأزمات مثل التي نعيشها حالياً برأي الممثل محمود خليلي الدقة والحساسية الخاصة في اختيار المواضيع وطرق تناولها إبداعياً لكي تلبي حاجةَ المُشاهد بالانفلات من حالة الضغط اليومي المتواصل وتنقله إلى مساحات من الاسترخاء والراحة ليعيد توازنه قدر الإمكان، فلكل عمل قيمته الفكرية والجمالية وهي التي تحدد أهميته ودرجة إقبال الجماهير عليه، ويخطئ من يعتقد أن ذلك الإقبال تفرضه الكوميديا فقط، ولذلك نحن أمام خيارين برأيه في هذه الظروف، لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر : الأول والسريع يكمن في الكوميديا، ولا يقصد هنا الكوميديا الرديئة الهابطة التي تسخِّف المواقف والأفكار والقيم والتي تسعى إلى تحقيق التسلية الرخيصة التي تهدر وقت المواطن، بل المقصود الكوميديا التي تحترم عقل المشاهد وذائقته الجمالية والتي تضع الإصبع على الجرح في تفاصيل حياتنا اليومية مثل مسلسل “بقعة ضوء” وخاصة في أجزائه الأولى، حيث تابعنا الكثير من اللوحات الهامة التي قاربت وجع المواطن وهمومه وتطلعاته وأحلامه، ووضعت الإصبع على الكثير من المظاهر السلبية في المجتمع ومؤسسات الدولة وسلوك الفرد، مع إشارته إلى لوحات قُدِّمَت في سنوات أخرى لم ترقَ إلى مستوى الكوميديا المطلوبة، ويتساءل  خليلي: ألا يمكن أن نمد جسراً بين الخيارين لنقدم أعمالاً فيها صدق الواقع ووجعه مع بسمة مرجوة؟ ألا يمكن اعتبار مسلسل “ضبّو الشناتي” مثلاً عملاً كوميدياً صارخاً من طراز رفيع؟ حيث تابعناه باهتمام شديد وكان عملاً يخفي بين حناياه شخصيات تائهة مغمسة بالألم، لكنها انقلبت على آلامها في فرضية تناولها الساخرة من قِبل كاتبٍ ومخرج مخضرمَين وجهد استثنائي من ممثلين حافظوا على احترامهم لهذه المهنة.

الأكثر رواجاً
ويرى الكاتب التلفزيوني الياس الحاج أن مختلف الجهود المقدمة للأعمال الكوميدية وغيرها تستحق التقدير على الصعيد الإنساني المعنوي وليس الفني، ويعتقد أنها لم تكن ترفاً وإنما محاولات سعت لتؤكد استمرار عمل الراغبين في إنتاج الأعمال الكوميدية، مع ملاحظة أنها أفرزت نتاجاً لمواهب ساذجة نصاً وإخراجاً، كما أفرزت بطولات للكومبارس في غياب النجوم والمواهب الكوميدية، وبالتالي فهي لم ترتقِ في معظم تجاربها للنضج الدرامي المطلوب، بل راحت باتجاه الاستسهال والاستخفاف بعقول المشاهدين، وليس من السهل برأيه أن تنجز أعمالاً تمثل مختلف فئات وطموحات الناس في ظل الحرب الإرهابية والمنعكَسات النفسية الطارئة على حياة الناس، والأعمال الكوميدية برأيه تحتل مكانة خاصة لدى المتلقي باعتبارها الأكثر رواجاً جماهيرياً وذلك لحاجة الناس دائماً للابتسامة والضحك، فكيف إذا كان الأمر في ظل أزمة وحرب؟ ولكن اعتماد العديد من الأعمال على الخطابية والشعارات (الكليشيهات الكوميدية) في نقل رسائل إلى العالم الخارجي أضعف بناءها الدرامي وغيّب الممثل القادر على تجسيد شخصياتها، مع إشارته إلى أن بعض اللوحات الكوميدية صورت جوانب إنسانية عدة من معاناة الأسرة السورية، لكنها لم تكن في محصلتها طموحاً للمشاهد السوري.

الابتسامة صدقة
وتتفق المخرجة السينمائية كوثر معراوي مع ما قاله البعض في أن الفن يجب ألا يقدم نوعاً واحداً من الأعمال في أية فترة زمنية ولو كانت محدودة بمدة معينة، بحيث يجب ألا تتسم جميعها بطابع ونوع معين يجعل المشاهد يملّ من عرض الأحداث ذاتها ولو بطرق وأساليب مختلفة، حيث يزيد ملله من كثرة الأعمال التراجيدية، خاصة ونحن في حالة حرب، بحيث أن ما نشهده في الشارع وفي نشرات الأخبار نجده أيضاً في المسلسلات، وأحياناً يُقدَّم بطريقة لا ترقى لأهمية الحدث الحقيقي ومصداقيته ما يجعل المشاهد يسخر مما يقدَّم، وأحياناً يضفي نوعاً من الشجن، خاصة للسوريين المقيمين خارج سورية.. من هنا يجب برأيها التنويع في تقديم الأعمال، فهناك أعمال ساخرة تحاكي الأزمة كانت نتيجتها جيدة نوعاً ما، وخاصة في المجتمع السوري الذي من شدة مصابه وجد طريقة للتخفيف من وطأة حمله بأن يسخر مما يحدث، وأحياناً يسخر من نفسه، مع اعترافها أن العالم اليوم ينظر للسوري باستغراب لأنه بعد سنوات الحرب ما زال يستطيع الابتسامة والضحك، وعلى هذا فإن الفن مطالَب بأن يقدم مختلف أنواع الدراما التي تحاكي الحربيّ والبوليسيّ والكوميديّ والعاطفيّ، ومع هذا فإن معراوي مع الإكثار من الأعمال الكوميدية في هذه الفترة، علّها تخفف ولو قليلاً حزننا وترسم ابتسامة حتى لو كانت مفتعلة على وجوهنا، خاصة  وأن الأطفال أصبحوا يتابعون أغلب مسلسلات الدراما ويجب أن نريهم الجانب الآخر للحياة بعيداً عن الحرب التي أنهكت ضحكاتهم، وخاصة الذين ولِدوا وكبروا أثناءها، فالابتسامة صدقة، فما بالك بزارعها؟

الحاجة للأعمال الكوميدية
وتصرح الممثلة رانيا تفوح بأنها مع الأعمال الكوميدية، وخاصة في هذه المرحلة التي نعيشها جميعاً من نقص في الماء والغاز والكهرباء والمازوت نتيجة الحرب التي دخلت حياتنا منذ 6 سنوات وحرمتنا من الضحكة التي كانت ترتسم على وجوهنا، لذلك تؤكد أننا اليوم أحوج الناس للأعمال الكوميدية الجادة مثل “بقعة ضوء” و”مرايا” ويمكن للعاملين في الدراما أن يأخذوا من واقعنا الذي نعيشه ونتعايش معه بكل صبر وجلَد مواقف حقيقية مضحكة تدخِل البسمة إلى قلوبنا التي أتعبتها هذه الحرب الكريهة، فهذه المَشاهد في الأعمال تدخل قلبَ المُشاهد دون إذن لأنها تحاكي الواقع الأليم بمواقف مضحكة.
كما لا تنكر الممثلة آلاء مصري زادة أن هناك من يعشق الكوميديا ويفضّلها على غيرها من الأعمال الدرامية الأخرى، وهناك من لا يفضلها،  وبرأيها فنحن بحاجة لهذه الأعمال، وخاصة ضمن هذه الظروف والواقع الصعب لحاجة الناس لأعمال تجعلنا ننسى همومنا من خلال الضحكة أو الابتسامة التي تخلقها هذه الأعمال ولو لبعض الوقت، ولكن ضمن شروط صحية، بعيداً عن الكوميديا المبتذلة بهدف إضحاك الجمهور لأن جمهورنا حالياً أصبح لا يقبل أي عمل، خاصة وأن الكوميديا من أصعب أنواع الفن وأخطرها، في حين ينوه الممثل أمير برازي إلى حاجتنا للنوعين من الأعمال: الكوميدية والتراجيدية لأن الفن دائماً يطرح مجموعة مواضيع عامة من خلال كل الأنواع التي تقدمها لتبقى الأعمال القريبة من الواقع هي الأقرب للمشاهد، مع تأكيده أن الجمهور هو الذي يختار ما يرغب به.

أمينة عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى