ثقافة

عشية العرض الخاص لفيلمه “بنت القليب” في السويداء وليد العاقل: سبع نساء ساهمن في صنع الاستقلال

يستعد المخرج وليد العاقل مساء اليوم الثلاثاء وبمناسبة عيد الأم لتقديم فيلمه “بنت القليب” في المركز الثقافي في مدينة السويداء، الذي يتطرق فيه إلى دور المرأة في حركات التحرر الوطني عبر التاريخ، من خلال تسليط الضوء فيه على حكايات سبع نساء ساهمنَ بشكل مباشر أو غير مباشر بصنع لحظة الحدث، وبيّن أن فكرة الفيلم تتمحور حول المرأة السورية عموماً، والمرأة في منطقة جبل العرب خصوصاً خلال مراحل تاريخية مهمة مرَّت على الوطن السوري, حيث نتبين من خلال الفيلم أن المرأة لم تكن شاهداً على التاريخ فقط، بل كانت صانعة له بحدود إمكانياتها وطبيعتها، فهي الأم التي تربي أولادها على العزّة والشهامة، وهي الأخت التي تساند أخوتها على الصمود، وهي الزوجة التي تحمل عبء بيتها وأسرتها، بالإضافة لدعمها لهم لوجستياً في زمن الحرب للتحرر من نير الاحتلال، كما أنها الرمز الذي يثير حماسة المدافعين عن الأرض والعرض، ومن الإنصاف –برأيه- أن نضيء على هذا الدور البارز لها كي لا نتبنى –خطأ- ذكورية رواية الأحداث التاريخية, ولنا في أمهات الشهداء في الوقت الحاضر مثلاً حياً على دور المرأة البارز في صمود سورية في ظل الحرب الكونية التي تُشَن عليها، فالمرأة هي الوطن.

<   حدِّثنا أكثر عن حكايات  فيلمك “بنت القليب”؟.

< <   أعرض في الفيلم قصص سبع نساء من جبل العرب خلال الاحتلالين العثماني والفرنسي كان لهنّ الدور البارز في شدِّ عضد أبنائهن لنيل الاستقلال، فمدللي حمزة التي أطلق عليها الدكتور عبد الرحمن الشهبندر لقب “خنساء القرن العشرين” ظلت تخبز للثائرين بوجه الاحتلال الفرنسي في معركة المسيفرة حتى فقدت أولادها الخمسة بالتتالي, وكانت كلما سمعت باستشهاد أحدهم تترحم عليه وتطلب من أخيه الأصغر أن يعيد رفع البيرق ويلتحق بالثوار.. وسعدى ملاعب عندما علمت أن أهل قريتها كُسِروا أمام الجيش العثماني الغازي وبدأ الثوار يفقدون الأمل جمعت الرصاص والماء والطعام وانخرطت بينهم تشد من أزرهم وحماستهم، وعندما واجهت أحد الهاربين طلبت منه بندقيته ولباس رأسه وأعطته فوطتها كي يعود ويختبئ، مبررة فعلتها بأنها تخاف إن قُتِلت أن يقول الأتراك أنهم لم يجدوا رجالاً يقاتلونهم في الجبل فقاتلتهم النساء، وهذا ما لا ترضاه لأهلها.. ومرّه قصوعه التي حملت ابنها ذا السنتين ولجأت لإحدى المغر مع 70 امرأة وطفلاً للاختباء من ظلم التركي الذي أمر جيشه ببقر بطون الحوامل في الجبل، وقتل كل ما هو حي ليشفي غليله من ضحاياه في معارك الجبل، ووجدت نفسها في خيار صعب بين ابنها الذي يصرخ من المرض وعدم وجود الحليب بصدرها لترضعه وتسكته وبين الدورية العثمانية التي أصبحت أسفل الجبل وسمعت صوت الطفل وبكاءه، فتوقفت للبحث وكانت وجوه النساء تطالبها بأن تفعل أي شيء لتسكت رضيعها، فما كان منها إلا أن أخذت قرارها وخنقته بحضنها حتى فارق الحياة وغادرت الدورية دون أن تكتشف لهم أثراً، وعندما سألها الناس كيف تستطيع أم أن تقتل ابنها بيدها ردّت عليهم: يموت ابني ألف ميتة ولا يُكشَف ستر النساء للغريب.. إنها قصص وحكايات يشيب لها شعر الرأس، فتحت كل حجر في هذا البلد حكاية بطولة وتضحية، وها هنّ أمهات الشهداء اليوم حفيدات بنات القليب يسرنَ على نفس الدرب والخطى ويزغردن لأبنائهن الشهداء ويطلقنَ الرصاص في عرس شهادتهم، وقد استضفنا في الفيلم اثنتين منهن فقدتا ثلاثة أبناء في ميادين القتال ولازلن يحمسن باقي الأبناء ويدعونهم للدفاع عن الأرض، كل طموحي أن يشاهد هذا الجيل قصص بطولة أهلهم والثمن الغالي الذي قُدِّم ليبقى تراب هذا البلد عزيزاً ومحرَّماً على كل غازٍ ومستعمر, فسورية ولادة للأبطال في كل زمان, فمن لا يعرف تاريخه جيداً لا يمكن أن يبني مستقبله, وأمنيتي أن يُعرَض الفيلم في أهم الصالات في سورية كي يكون درساً حياً لكل من آمن بتراب هذا البلد وبأنه على حق، وهذه صيرورة التاريخ, وللمتخاذلين بأن يعودوا لتاريخ أهلهم الذين لم يرتضوا الضيم يوماً وأرخصوا أرواحهم في سبيل عزة بلدهم ونصرها.

<   ما أهمية أفلام الديكودراما حالياً بالتحديد؟ وأهميتها بالنسبة لموضوع فيلمك “بنت القليب”؟.

< <   لو سبرنا قصص نساء الفيلم عند المتلقين مسبقاً لوجدنا أنهم يعرفون المعلومة بشكلها العام, أي أنهم امتلكوا جزءاً من المعلومة دون الدخول في التفاصيل, وبالتالي فهذه النوعية من الأفلام والتي ينتمي إليها فيلم “بنت القليب” تعنى بهذه التفاصيل كونها تحمل في طياتها شكلاً درامياً له القدرة على تثبيت المعلومة على شكل صورة في الذاكرة الجمعية للمتلقي، وللتوضيح فإن مصطلح الديكودراما جاء من (أدرمة) الموضوع الوثائقي إذا جاز التعبير, أي إنه عرض فني سينمائي يدمج بين الوثائقي والدراما، وهي محاولة لتظهير مادة غير تقليدية تحاكي الواقع الموثق والحقيقي للموضوع بأسلوب درامي متخيل، وهنا يبرز دور المخرج في إطلاق العنان لمخيلته وخلق كمٍّ من الأفعال والحالات الدرامية ليعبِّر عن المضمون وليزيد من استقطاب المتلقي، خاصة وأن تأثير المشهد الدرامي غالباً ما يكون أكبر من سرد الواقع الذي هو معروف لدى المشاهد في كلِّه أو بعضه، مع التأكيد على أن الديكودراما أثبتت حضوراً مميزاً لدى المتلقي، خاصة في زمن الأزمات والمفاصل التاريخية لحياة شعب أو بلد، لأن التوثيق جزء من ذاكرة جماعية يجب أن تبقى وتعيش لتكون دروساً للمستقبل، مع الإشارة إلى أن سينما التوثيق كانت حكراً على المتلقي النخبويّ والمهتم، وعندما تبنّت في جزء منها الدراما أصبحت أقرب إلى شريحة أكبر من المشاهدين، أي أنها لاقت الجمهور على اختلاف ثقافاته في المنتصف ورفعت من ذائقته الفنية ونقلت المعلومة من مستوى السرد والخبر إلى شكل فني تسهم فيه الصورة والدراما في ترسيخ المعلومة أكثر.

<    لنتحدث عما قمتَ بإنجازه قبل “بنت القليب”.

< <    سبق وأن اجتهدتُ مع إحدى المجموعات التي تعنى بالعمل المدني في مدينة السويداء، وأنجزتُ دورة في كتابة السيناريو أثمرت عن أربعة نصوص درامية، مدة كل نص نصف ساعة ما لبثت أن تطورت لتصبح عملاً فنياً من لحم ودم، وقمتُ بالإشراف على تصويرها وإخراجها لشباب وشابات بعمر الورد، ولتخرج للنور أربعةُ أفلام درامية تعالج مشاكل الشباب ولاقت التجربة حضوراً مميزاً واهتماماً كبيراً لدى المتلقي، بالرغم من عدم توفر أبسط متطلبات العمل السينمائي الفنية، لكن اجتهاد القائمين عليها من الشباب أظهر التجربة للنور وأصبحت تظاهرة سينمائية يُعمَل بها سنوياً، ومهرجاناً سينمائياً محلياً له جمهوره ومتابعوه ومواضيعه التي تحاكي الحرب من منظور شبابي بحت.

<  وماذا عن الصعوبات التي تواجهك وأنت تعمل في السويداء؟

< <    الصعوبات الحقيقية التي تواجهنا هي العامل المادي للعملية الإنتاجية، حيث أننا نعتمد على إمكانياتنا الشخصية وحماسة المهتمين، واجتراح حلول فنية تتفادى العامل التقني في صناعة الفيلم من إضاءة وكاميرا احترافية، والاحتيال على بعض المَشاهد المهمة التي تحتاج لإنتاج كبير من خلال تصنيعها مونتاجياً، عبر بعض البرامج الالكترونية التي تظهر المشهد بحدوده الدنيا, والصعوبة الأخرى، والأهم عدم الإيمان بأهمية دور الفن والدراما في التأثير على تشكيل رأي عام يساهم بشكل كبير في خدمة التوجه العام لسياسة الدول، ابتداءً من عدم وجود صالات ودور عرض السينما، وليس انتهاء بدعم مادي ولوجستي للعمل الفني، حيث نجدهم يصفقون للمنجَز ولكنهم يتهربون من تفاصيل إنتاجه، علماً أن الكادر الفني موجود في كل المحافظات من كتّاب وفنانين وفنيين ومخرجين، والصعوبة الوحيدة هي تبنّي فكرة أهمية الفن في صنع الحدث، وبالتالي تسويق المنتَج في المحطات المحلية وشراء هذه الأعمال المنجَزة لتغطية جزء من النفقات الذاتية للاستمرار في تطوير الحركة الإبداعية، وتشجيع وإقناع أصحاب رؤوس الأموال بالاستثمار في الفكر والأدب والفن، لأن العملية الفنية اليوم هي صناعة هامة بامتياز.

<  لماذا ابتعدتَ عن الدراما التلفزيونية لصالح السينما؟.

< <  لم أبتعد عن الإخراج التلفزيوني، لكن الأعمال التلفزيونية بحاجة لإنتاج ضخم وقد تقلصت الأعمال التلفزيونية بشكل كبير في الفترة الأخيرة لارتفاع الكلفة فكان لا بد من إيجاد بديل في مثل هكذا أعمال مع أنها لا تمتلك العامل الربحي ولكنها ضرورة للفنان كي لا تصدأ روحه، وكي يكون متفاعلاً مع ما يدور حوله من أحداث.. وفي السيرة الذاتية عملتُ ممثلاً في المسرح منذ بداية الثمانينيات وحصلتُ على جائزة أفضل ممثل أكثر من مرة، ثم انتقلتُ للإخراج المسرحي وفي رصيدي خمسة عشر عملاً مسرحياً حققت في بعضها جائزة أفضل عرض في المهرجانات المحلية لنقابة الفنانين, ولي عمل مسرحي في المسرح القومي من إخراج د.عجاج سليم, ثم انتقلتُ للتلفزيون وتعلمتُ الإخراج التلفزيوني على يد الكثير من المخرجين المهمين على خارطة الدراما السورية وفي رصيدي أكثر من 22 عملاً تلفزيونياً كمخرج منفذ, وفي العام 2007 جاءتني فرصة إخراج عمل درامي لصالح تلفزيون أبو ظبي بعنوان “طماشه”، ثم عمل كوميدي لصالح شركة MBC  ومن ثم عمل درامي طويل, بعدها عدت لسورية وانتُخِبتُ كعضو مجلس مركزي في نقابة الفنانين وعشنا أزمة الوطن بكل تفاصيلها، وعدتُ لمحافظتي السويداء وحاولتُ أن أكون فاعلاً فأنجزتُ أربعة أفلام سينمائية, وفي العام الفائت رخّصت لشركة إنتاج باسم شركة روان للإنتاج الفني وأنجزتُ فيلمي الأول “أساطير من لحم ودم” وهو فيلم تسجيلي عرضتُ فيه بطولة جيشنا الصامد وعناصره في مطار كويرس وسجن حلب المركزي ولاقى الفيلم صدى واسعاً.

يشارك في بطولة فيلم “بنت القليب” نخبة من فناني مدينة السويداء: اعتدال شقير-فادية أبو ترابة- أكرم العماطوري- ثائر حديفة- يوسف ثابت- عتاب أبو سعدى-اعتدال صيموعة- زياد أبو طافش- سمير البدعيش- نزيه سراي الدين- لوجين حمزة.. الراوي داوود أبو شقرة.

أمينة عباس