ثقافة

رحلة في عوالم شكسبير في الندوة الثقافية “مصائر المحبين في مسرح شكسبير”

هي رحلة في عوالم شكسبير ومسرحياته، ونوافذ تطل على ملامح جديدة من حياته، فأدب شكسبير ما يزال خالداً حتى هذا اليوم وما تزال شخصيته الملهم  لكل رواد المسرح ومثقفي العالم، وبمناسبة مرور 400 عام على رحيله واحتفاءً بيوم المسرح العالمي أقامت وزارة الثقافة- مديرية المسارح والموسيقى أمس ندوة ثقافية بعنوان ” مصائر المحبين في مسرح شكسبير” في مكتبة الأسد الوطنية والتي ابتدأها مدير الندوة د. راتب سكر موضحاً أن  مثقفي العالم ولاسيما محبو المسرح والمشتغلون في الأدب والفن المسرحي يحتفون باليوم العالمي للمسرح وقد ارتأت وزارة الثقافة  أن تجمع بين احتفائها بهذا اليوم ومرور 400 عام على رحيل شكسبير، لافتاً أن كل أنحاء المعمورة تحتفي بعطائه الأدبي والشعري والمسرحي الهام، مؤكداً أننا اليوم نلوح بأيد قد تكون متعبة من ألم قلب العروبة النابض ومثقلة بالأحزان إلا أن التاريخ السوري قدم لنا دروساً تدل على أننا وسط الآلام نلوح بيدنا للحياة ونؤمن بغد أجمل فنحن أمة تنفض عن مناكبها التعب وتلوح بالحب، مضيفاً أن  ندوة اليوم تتحدث عن مبدع ترك تراثاً ضخماً في الكتابة المسرحية، والتي غدت معلماً من معالم الأدب العالمي وتحول بعضها إلى أعمال سينمائية وتلفزيونية.

بين الحب والموت

ولم يتوقف دور د.سكر على إدارة الندوة بل  كان مشاركاً فيها بموضوع (مسرح شكسبير بين الحب والموت) الذي يعتبر بأن مسرحية روميو وجولييت من أهم مناجيات المحبين في التاريخ، خاصة أن الحب يكون صريعاً  في مجريات الأحداث فنكون أمام الموت مصيراً لعاشقين من أبرز عشاق التاريخ، وقصة ستظل ذكرى في حياة كل محب، كذلك عرج سكر على اكتشافه لشخصية أوفيليا والتي تختلف عن شخصية جولييت في لحظة الوداع، فوداع أوفيليا أكثر نضجاً ووعياً وهو الذي دفعها للجنون كما كاد أن يدفع بـ”هاملت” للجنون ، لافتاً أن هاملت كان على قبر أوفيليا في حالة تشبه عودة روميو إلى قبر جولييت، مع اختلاف عودة هاملت الذي يعلم أن محبوبته غادرت الحياة وهو يشعر بعقدة الذنب، حيث بيّن سكر التقاطعات والاختلافات بين “هاملت” و”روميو وجولييت”.

أدب شكسبيري

من جانبها تناولت د.سوسن قطيني موضوع “شكسبير في النقد” قائلة: إن التعبير الفرنسي العام يقول “شكسبيري” بمعنى الرغبة في أظهار ما تملكنا من أحاسيس تجاه مواقف تحاكي كل الأشكال الواقعية المعروفة وبمعنى آخر كل ماله خصوصية، لافتة أن شكسبير كان مجهولاً بالنسبة لفرنسا في القرن 17 جهلاً تاماً حتى جاء فولتير- وهو أول من نشر مسرح شكسبير، ولا يمكن إنكار فضله على أدب شكسبير في فرنسا – خاصة أنه أقام في أنكلترا قرابة ثلاثة أعوام عمق فيها معرفته باللغة الإنكليزية وبأدب ومسرحيات شكسبير وكتب عنه، ونستطيع القول أن فولتير نشر أدب شكسبير في أوروبا كلها كأدب متحرر من النظام الإغريقي، ومن القواعد التقليدية ومعتمد على خبرته ونفسه في تكوين خبرته وعبقريته.

مبدعاً ورائداً

ولفتت قطيني أن فولتير لم يعتنق جميع أفكار شكسبير، بل اختار منها ما يناسبه فهو لم يكن ناقلاً بل ناقداً جريئاً في نقده له حتى أنه هاجم شكسبير في عدة نقاط منها  جهله باللغة اللاتينية واصفاُ إياه بالجاهل، كما أخذ على مسرحياته ابتعادها عن قواعد الذوق العام وقواعد المسرح المعروفة، علماً أن هذا النقد القاسي لم يمنع أدباء الفرنسيين من تقدير فن شكسبير واعتباره عملاقاً، وحتى فولتير –كما ذكرت قطيني-  اعتبره المسرحي الإنكليزي المعروف وهو من أوجد المسرح في إنكلترا كما هو عليه، فمسرحياته أو هزلياته المخيفة ضمت مشاهد رائعة، وأوجد له عذراً بأن الزمن هو وحده يصنع شهرة الرجال ويتغاضى عن أخطائهم، مضيفة أن رومانسيي القرن التاسع عشر اعتبروا شكسبير مبدعاً ورائداً، ومسرحه مميز وغني بكل ما يخص القلب الإنساني، وتطرقت لما نشره بعض الكتّاب الفرنسيون عن مسرحيات شكسبير وتأثر الرواية بالصخب الشكسبيري.

مسرحية العاصفة

كذلك ركزت د. سلوى الجزائري  في حديثها على (مسرحية العاصفة) لأن تلك المسرحية على حد تعبيرها تتميز عن جميع أعماله الدرامية الأخرى، لأنها واحدة من مسرحياته التي تقل فيها الشخصيات النسائية، ففيها شخصية واحدة هي فتاة عمرها 15 عاماً، كما أنها أقصر مسرحيات شكسبير وأجملها وأكثرها التي لاقت عرضاً ورشحت لتكون إحدى أفضل أعماله العشرة، مضيفة أنها تعتبر العمل الأخير لشكسبير الذي كتبه بمفرده، وهي على خلاف أعماله تراعي الوحدة الكلاسيكية أي وحدة الزمان والمكان، وتتابع الجزائري: ليس لمسرحية العاصفة أي مصادر أدبية كما أننا نرى فيها الأداء المسرحي ضمن المسرحية، وتراعي ذوق الجمهور في تلك الحقبة وتجمع بين الجد والهزل وتعبر عن نظرة شكسبير للحياة.

العبقرية الشكسبيرية

وتلفت الجزائري بأنها ليست ككل العواصف فهي عاصفة يتحكم بها شاعر وساحر، تارة يستخدمها للانتقام وتارة للمصالحة والحب وهي مزيح من عدة أنواع مسرحية تلتقي فيها خلاصة العبقرية الشكسبيرية، وتدور أحداثها حول ساحر يكسر عصاه السحرية في نهاية المسرحية وكأن شكسبير يودع  جمهوره في مسرحيته الأخيرة، وما يفردها بأن قوى العمل توضع في يد شخصية واحدة وهي فعل رمزي لدرس في الحياة، ولذلك فإن عاصفة هذا العمل هي عاصفة بيضاء، ويبين النص تعدد الثقافات في بحر من السحر، مبينة أنه يعتقد بوجود أفكار استعمارية ظهرت في هذه المسرحية لتبرير الأهداف الاستعمارية التي  يتمسك بها الغرب للسيطرة على العالم الآخر.

إلهام سينمائي

وكان للإعلامي والأديب علي العقباني مداخلة في الندوة أوضح من خلالها بأن استلهام النص الشكسبيري في السينما كان واضحاً في نقل أعماله المسرحية إلى السينما، فمنذ أيام السينما الصامتة عرضت السينما الاقتباس من شكسبير وأعماله، ولاقت رواجاً ونجاحاً كبيراً وشكّلت على الدوام الأعمال الشكسبيرية إلهاماً كبيراً فكانت تلك الأفلام المستلهمة تياراً خاصاً في السينما العالمية، موضحاً أنه ما إن يمر ذلك الإلهام بحالة ركود حتى يعود لاحتلال واجهة الأعمال السينمائية لتعيد اقتباس أعماله، وقد شاهد العالم مجموعة أفلام هامة مقتبسة من أعمال شكسبير، وقدمت السينما ما يزيد عن 600 عمل مقتبس أو مستلهم من أعماله، وحتى السينما العربية لم تكن بمعزل عن أعماله وخاصة الأفلام المصرية، لافتاً إلى وجود عدة عوامل ساعدت في بقاء أعماله صالحة وقادرة على التعبير عن هواجس وعوالم تصلح لكل زمان ومكان، فهي تملك في طياتها مواقف حياتية وفلسفية تتجاوز أزمنة حدودها،  وهي ذات قيمة تاريخية كبيرة تتيح عالماً من الابتكار في الأشكال والقدرات التمثيلية وفي قصص الحب والدراما الإنسانية الخالدة.

جمان بركات- لوردا فوزي