ثقافة

… ومشاركة عربية ودولية واسعة

تميّز مهرجان سينما الشباب بدورته الرابعة بمشاركة عربية وعالمية واسعة تؤكد على التبادل الثقافي السينمائي بين الشعوب، تناولت قضايا نعيشها أهمها الإرهاب والهجرة، إضافة إلى الأفلام السورية التي عكست صوراً مختلفة بأساليب فنية تتبع ذائقة المخرج باقترابه من الحداثة السينمائية بين فنية المباشرة ودلالات الرمزية.

“اللعبة”.. وإيحاءات رمزية

الرمزية كانت السمة البارزة في فيلم “اللعبة”-سورية-  سيناريو وإخراج محمد سمير طحان لتتداخل بدلالات توحي بقراءة واحدة بانتفاضة جديدة من عتمة الموت والقهر ومتابعة الحياة رغم سنوات الحرب بعزيمة أكبر، اللعبة المعلقة على الحائط حيناً التي تشدّ إلى أوتار الماضي، والنائمة حيناً على الأرض في حالة استكانة وسكون، نراها بالصورة الأخيرة جالسة على الكرسي على مسرح الأوبرا. أظهر الفيلم عبْر12 دقيقة قدرة طحان على إخراج فيلم قائم على الرقص التعبيري المتداخل مع التمثيل الإيحائي بين لغة الجسد والبوح الذاتي بصمت، معتمداً على التوصيف البصري في إيضاح رسالته السينمائية من خلال عرض راقص لأنثى ورجل، لتنتقل الكاميرا إلى صورة أخرى في زمن واحد إلى الكاتبة الشابة التي تحضر العرض لتستحضر مأساتها بفقدان من تحب، وبإسقاط مباشر على الواقع ليعود بتقنية المونتاج إلى البطلة الحقيقية التي ترمز إلى المرأة السورية التي تتحرر من قيود الحزن وتعود إلى الحياة لتأخذ دورها بالمجتمع.. مما يفسر بقاء اللعبة على الكرسي. وكان للموسيقا التي ألّفها سليمان شلبي وجمعت بين موسيقا الفلامنكو ونغمات القانون للعازفة ديمة موازيني دور بإنجاح الفيلم.

“آه” تناقض المفاهيم

خلال سبع دقائق يتطرق فيلم “آه” إخراج مهند دياب وسيناريو تينو الأنيس –إنتاج فرنسا-مصر- المترجم إلى الإنكليزية والذي تدور أحداثه في ساعة متأخرة من الليل في أحد شوارع فرنسا، تبيّن رسالته السينمائية العدائية التي يتعرض إليها المسلمون في الخارج، وعدم قدرة الجنسيات المختلفة مثل المرأة البرازيلية البطلة الثانية في الفيلم على عدم فهم الإسلام بشكله الصحيح، ليجسد الفيلم بمساره الدرامي حالتين متناقضتين في زمن واحد بصورة قائمة على المفارقات، فمن شخصية الرجل واسمه محمد الذي ينقذ المرأة من التحرش بها من قبل رجال مجهولين، فتكون النتيجة ادعاء المرأة البرازيلية بأنه حاول التحرش بها حينما عرفت أنه مسلم، لتنتقل الكاميرا إلى الحالة الأخرى حيث نرى شريط الدم الذي يخط طريقه المتسارع من مكان زوجته المحجبة القابعة على الأرض تنزف في الوقت الذي يحاول فيه أن ينقذها أحد المارين بالاتصال بالإسعاف وهي تحتضر. ليخلص المخرج إلى إشكالية تهدد الكثيرين الزوج الملقى على الأرض من الضرب المبرح، وصوت سيارة الإسعاف القادمة ربما بعد فوات الأوان، ورمزية اللقطة الأخيرة للون الأحمر لأحمر الشفاه والنزف المميت.

“سولفيج”

ويتناول الفيلم البلغاري سولفيج – المترجم إلى الإنكليزية – سيناريو وإخراج يانا تيتوفا –قصة يوردان يوفكون الحرب من خلال وداع الأم ابنها الجندي الذاهب لتأدية واجبه الوطني بدقائق مؤثرة. والملفت أن المخرج اختار الزمن القديم على غرار بعض الأفلام العالمية، ليصوّر فيلمه بإطار الأبيض والأسود بإسقاط للمفارقات الحياتية بين واقع الحياة في منزل أحد الأثرياء الشبيه بالقصر في احتفال ليلي بانتظار ابنة صاحبة القصر لتعزف على الكمان، وبين ما يدور في الطابق السفلي فتنتقل الكاميرا إلى النافذة  للمقارنة بين عالمين من خلال مراقبة آنيا ابنة صاحب القصر للجندي وهو يودع أمه،  فتعيش مشاعر مختلطة بين الرفض والتمرد والفراق فتعبّر عن تأججها الداخلي بعزفها على الكمان، لتعود بالفلاش باك إلى عوالم الطفولة حينما كان الجندي طفلاً يعزف على الكمان وينظر إلى نافذتها، لتتضح رسالة المخرج بقسوة الحرب وتضحية الجنود ليعيش الآخرون في عوالمهم.

“هجرة لبنانية” الهروب من الواقع

ويقارب فيلم “هجرة لبنانية” إخراج ستيفاني كوسا ما حدث في سورية لكثيرين غُرر بهم فغدر بهم البحر. ينتمي إلى نمط الفيلم التسجيلي، ويتألف من ثلاث قصص تلتقي في نقطة واحدة هي الهجرة اللبنانية التي تعود إلى أزمنة متعددة، وفي الوقت ذاته تعبّر رسالته السينمائية عن سلبيات متزايدة إثر هجرة الشباب بدافع البحث عن الأفضل. تبدأ القصة الأولى من حديث بطلة الفيلم المعدة للريبورتاج الفيلمي مع شاب مثقف يشتغل بمجال السينما من مدينة صور، يتطرق أثناء حواره معها إلى هذه المدينة الهادئة المتمازجة مع أمواج البحر والتي لا يمكن أن تتغير-كما ذكر- ليتحدث عن أسباب تفكيره بالهجرة إلى تركيا ومنها إلى النمسا لشعوره بالاختناق من الوضع المتردي في لبنان، المحور الهام في الفيلم هو إقحام دقائق لمشاهد توثيقية للمظاهرات اللبنانية والتعامل مع الشباب بالقمع والهجوم عليهم من قبل السلطات، إلى توقف الكاميرا عند المسألة التي شغلت الرأي العام وهي أكوام القمامة في الشوارع، إلى ما وصفه الشاب بتراكمات أودت به إلى الاختناق والهروب.

تنتقل المعدّة إلى قصة مؤثرة جداً ومؤلمة هي حكاية أسرة من ثلاثة أجيال قرروا جميعاً الهجرة إلى ألمانيا لترفض البطلة الثانية الفتاة الجامعية مغادرة لبنان لمتابعة دراستها، لكن المأساة وقعت على مقربة من الشاطئ التركي حينما غرقت السفينة الخشبية التي كانت تمضي بهم إلى بلد الأحلام ألمانيا فيموتون غرقاً وينجو فقط الأخ وابن أختها الصغير، لتستحضر البطلة الأحداث من خلال صور عائلتها المفقودة، وحالة ضياعها الروحي لتوجه رسالة بضرورة الإصرار على البقاء مهما كانت الأوضاع قاسية، وحلمها بأن تجد الخلاص من عذابها النفسي ووحدتها بالعمل.

وتنهي المعدة الريبورتاج بالحديث عن أزمنة الهجرة المتعددة مع عمتها التي سردت تاريخ أجيال عائلتها وهي تستحضر قصصهم من خلال الصور، إذ بدأت الهجرة الأولى إلى إفريقيا للعمل ثم الهجرة أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن ثم الهجرة أثناء الحرب اللبنانية، والآن الهجرة هرباً من الواقع والحصول على الأفضل، والسؤال الذي طرحه الفيلم التسجيلي هل هناك من أمل بالتغيير نحو الأفضل؟.

ناقش الفيلم في محور آخر مسألة تربوية إنسانية، وهي رفض تسجيل الأطفال المرضى بالسكري بمدارس الدولة وقبولهم في المدارس الخاصة الباهظة التكاليف من خلال القصة الثانية وحديث بطلة القصة الثانية عن ابن أختها الطفل المصاب بالسكري.

“فضول السفر” الحلم المتلاشي

ويأتي فيلم فضول السفر-المغرب- المترجم إلى الإنكليزية- من النمط التسجيلي والتوثيقي في آن واحد، إذ يسرد بلقاء مباشر حكاية رجل متقاعد يعيش في السويد، هاجر من المغرب بدافع الفضول ليرى كيف يعيش الآخرون في فرنسا والسويد ويتعرف إلى تفاصيل الواقع هناك، في الوقت ذاته تتوقف الكاميرا على رصيف الذكريات لتصوّر ملامح من الحياة الإفريقية من شواطئ المغرب وجوامعها وآثارها، من حياة المرأة الإفريقية بصورة خاصة، ليخلص المخرج إلى أن حلم الفضول والبحث عن الأفضل حلم يتلاشى.

ملده شويكاني