ثقافة

مع قرب تقديم عرضها “هنّ” آنا عكاش: المرأة أكثر المتضررين من الحرب

تعددت العروض المسرحية التي نهلت من مَعين الحرب على سورية، ولأن النساء السوريات كنّ وما زلن أكثر المتضررين منها كان من الصعب على العروض المسرحية التي قدمها مخرجونا خلال الحرب تجاهل معاناتهن.. واليوم تستعد آنا عكاش ككاتبة ومخرجة لتقديم عرضها المسرحي “هنّ” من إنتاج مديرية المسارح والموسيقا، على خشبة مسرح القباني في الأيام القليلة القادمة بمشاركة الفنانات: رشا الزغبي، إيمان عودة، إنعام الدبس، لبابة صقر، جولييت خوري.

حالة الفقدان
كثيرة هي تبعات الحرب على سورية التي تناولها مخرجونا في أعمالهم كما تشير الكاتبة والمخرجة آنا عكاش، ولأن المرأة في أي حرب هي الحلقة الأضعف وأكثر المتضررين منها ارتأت ومن خلال خمسة نماذج نسائية أن تسلط الضوء على حالة الفقدان التي أصابت سورية في السنوات الست العجاف، منوهة إلى أن عروضاً كثيرة تناولت قضايا الحرب على سورية ولا ضير في ذلك، والمهم كيفية تقديم هذه العروض، وهنا بيت القصيد برأيها، مبينة أنها ركزت على صعيد المضمون على الجانب الإنساني البعيد تماماً عن السياسة، حيث كان كل همها تسليط الضوء على حالة الفقدان التي تعرضت لها النساء السوريات على اختلاف مشاربهن.

خمس حكايات
وكما هو معروف عن عكاش أنها تعتمد في أعمالها الاختزال والتكثيف في معظم العناصر المسرحية، آخذة بعين الاعتبار شَرطية المسرح على صعيد الديكور البسيط حين اكتفت بأن يكون عبارة عن خمسة كراسٍ وبرافانات قامت باستعمالهن بتشكيلة معينة من خلال إسقاط بصريّ عبر شاشات متحركة يتغير تشكيلها بين مشهد وآخر، مبينة أن حجم المادة البصرية  كبير في العرض الذي تقدمه عكاش من خلال ثلاثة مستويات: أداء الممثل والمادة البصرية والحالة الخاصة لكل ممثلة، والتي تتقاطع مع الشخصيات ومع الجمهور بهدف خلق علاقة تفاعلية بينهن وبين الجمهور باعتبار أن حالة الفقدان لم ينجُ منها سوري، وأوضحت عكاش أن مسرحيتها تقوم على خمس حكايات منفصلة لخمس نساء، ولكن في النهاية تتقاطع كل الحكايات مع بعضها وفق مبدأ الجوقة لأن هم كل شخصية هو همّ الشخصيات الأخرى، مبينة أن العرض له علاقة أيضاً بالذاكرة السورية قبل وبعد الحرب، أي كيف كانت وكيف أصبحت، باشتغال عكاش على صور من الذاكرة القديمة التي يشترك فيها معظم السوريين، والتي شكلت رصيداً مهماً لكل سوري وكانت له المعين الذي يمده بقوة تجعله قادراً على الاستمرار في الحياة والتحدي.

عرض سوداوي
لم تنسَ عكاش في عرضها أن تشير إلى السوريين الذين بقوا في سورية على الرغم من ظروف الحرب التي لم يتحملها البعض، وذلك انطلاقاً من قناعتها بأن من حقهم أن يُنظَر إليهم بطريقة مختلفة عما قدمته بعض العروض خارج سورية من أن كل السوريين تركوا بلدهم، لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل ظروف الحرب فركبوا الزوارق وأبحروا باتجاه بلدان أخرى، وأن سورية أصبحت خالية من ناسها ولا حياة فيها، في حين ترى عكاش أن هذه الصورة التي حاول البعض تعزيزها غير صحيحة لأن هناك أيضاً سوريين ظلوا في بلدهم لا لأنهم مجبرون بل باختيارهم البقاء، انطلاقاً من إيمانهم بأن سورية بلدهم ولها عليهم دين كبير وهي التي قدمت لهم الكثير، وتقديراً لهم كان من الضروري تسليط الضوء عليهم في “هنّ” لأنهم ما زالوا في سورية يعملون ويدرسون ويطمحون ويحلمون ويحبون دون أن تخفي عكاش أنها تقدم عرضاً سوداوياً، خاصة وأن “هنّ” يبدأ بمجلس عزاء افتراضي لا نعرف من يعزي من فيه، لأن كل الشخصيات فيه فعلياً تعاني من الفقدان لتكون رسالة العرض في النهاية أنه آن الأوان لأن تتوقف الحرب، فالسوريون لم يعد لديهم طاقة لتحمل المزيد من الفقدان.

الخروج عما هو سائد
كامرأة وكاتبة ومخرجة ترفض آنا عكاش أن يُنسَب عملها إلى ما يسمى بالمسرح النسوي، وهي بالأصل ليست مع هذه المصطلحات التي يطلقها البعض، وعرضها لا ينتسب إلا إلى المسرح، مبينة أن اختيارها لموضوع المرأة لم يكن إلا لأنها أكثر المتضررين من الحرب، معترفة في الوقت ذاته أن مضمون أي عمل مسرحي وإن كان يغريها، إلا أن طريقة التنفيذ والتفكير بطرق جديدة من خلال البحث والتجريب بهدف تجاوز الأطر التقليدية التي يجب كسرها للخروج عما هو سائد  يغريها أكثر، وهو ما تسعى إليه عكاش في كل عمل، مؤكدة وردّاً على من يقول أن محاولات التجريب الدائم تلغي هوية المخرج أن التجريب الدائم لا يخيفها، وهو بصمة بحد ذاته ، وهي من هذا المنطلق تعمل ما يستهويها في هذه اللحظة دون أن يكون لها نمط معين من الانشغالات تسعى إليه، ولذلك تبدو اليوم سعيدة بما توصلت إليه في “هنّ” حين تناولت الحرب بجانبها الإنساني الذي يلامس الجميع من خلال محاكاة الواقع.
وما بين عروض مسرحية تناولت الحرب وأخرى ابتعدت، تعتقد عكاش أن لا ضير من وجود كلا النوعين، والجمهور هو الذي له الحق في أن يختار ما يريد.. ولكن في العموم ترى أن السوريين اليوم أصبحوا بحاجة للنسيان وتجاوز الأزمة، لذلك هي لا تلوم من يغرد خارج سرب الحرب.
ولأن موضوع اختيار الممثلات لـ “هنّ” لم يكن بالأمر السهل، خاصة وأن العمل يعتمد بشكل أساسي على أداء الممثل تبيّن عكاش أن خيارها استقر على مجموعة من الممثلات معظمهن غير أكاديميات، مشيرة إلى أن أهم خطوة قامت بها بدايةً خلق انسجام بين المشارِكات وتشكيل فريق متجانس وهو أمر لا يتحقق عادةً بسهولة، منوهة إلى أن ما يميز هذا الفريق هو الرغبة والحماس للعمل في المسرح بدافع الحب له أولاً.
أمينة عباس