ثقافة

بين القطيعة والوجد..  وضاح باشا يحلل ” قصة الأمس” لأم كلثوم

“أنا لن أعود إليك مهما استرحمت دقات قلبي” أصغى الحاضرون بشغف طيلة ساعتين إلى وقع كلمات الباحث الموسيقي وضاح رجب باشا، الذي حلل أغنية قصة الأمس لأم كلثوم والتي انتهت بقطيعة دائمة”غابت كالأبد”، فتناغمت كلماتها وألحانها بين الوجد والكبرياء لتنتهي قصة حبّ بجرح لم يلتئم.

رائعة أم كلثوم التي جاءت بألحان رياض السنباطي أطلق عليها “قصيدة القصائد”، لأنها لخصت حكاية شاعرها أحمد فتحي مع الحياة ونعت حبّه الضائع واعتلال روحه، فاستشف السنباطي معانيها، وأفرد مساحة لصولو القانون خلال مقاطع الأغنية بعد أن استهل مقدمتها بنغمات التشيللو المغرقة بالحزن.

الأغنية التي وصفها معاون وزير الثقافة علي المبيض أثناء حضوره المحاضرة “بالجميلة”، وعبّرت فيها أم كلثوم عن هذه الحالة الإنسانية بكبرياء المرأة بصوتها وبعنفوانها. وكما ذكر الباحث باشا فإنها غنتها في سبع حفلات متتالية عام 1959 أيام الوحدة بين سورية ومصر، واستغرقت مدة وصلاتها قرابة الساعة والنصف.

الفلسفة الوجدانية

ورأى الباحث رجب أنها أقرب إلى الفلسفة الوجدانية لما فيها من عتاب ونأي وألم وذكرى. وتابع بأن شهرتها تعود إلى النمط الشعري الغنائي الجديد للشاعر أحمد فتحي بعد أن اقترن اسم أم كلثوم بأحمد رامي وبيرم التونسي، فجاءت هذه القصيدة بروح جديدة لأحمد فتحي الذي لُقب بشاعر الرقة العاطفية، ولم يحقق الشهرة التي وصل إليها الشعراء الكبار، إلا أن اسمه ارتبط بثلاث قصائد خالدة قصيدة الكرنك لمحمد عبد الوهاب، وقصة الأمس لأم كلثوم وقصيدة فجر لرياض السنباطي، وأمضى حياته مع الأقداح إلى أن توفي في غرفته في الفندق (1913-1960). وأوضح الباحث أن فتحي حاكى الحبّ والغزل من خلال فلسفة الحبّ الوجداني على خلاف فلسفة أحمد رامي الذي تناول الحبّ حسياً.

وبدأ الباحث بتحليل المقدمة الموسيقية مبيّناً أنها تخضع لتوضع الجمل الموسيقية وفق متتالية الملحن، مستحضراً مقدمات زكريا أحمد لأم كلثوم التي لم تتجاوز أربع أو خمس دقائق، والمطوّلات التي لحنّها عبد الوهاب لأم كلثوم متوقفاً عند السنباطي الذي وضع مقدمات متجددة لتبقى بأذهان المستمعين، ولإشباع المقام من حيث التطريب الشديد، فبدأ السنباطي بالمقدمة بمقام النهاوند وهو مقام شرقي بحت تمكن الموسيقيون المبدعون من تطويعه بنكهة جديدة، لاسيما أنه متنوع وفق أنواع منها النهاوند المصري والتركي ونهاوند النهاوند، ويتميز بمساحة واسعة إذ يسمح للملحن بأن ينتقل من مقام النهاوند إلى مقامات أخرى ومن ثم العودة إليه بانسيابية، واختار السنباطي البداية مع نغمات التشيللو المغرقة بالحزن كعزف منفرد، ومن ثم لصولو القانون واستخدم طريقة ترجيف الصوت للكمنجات، وكانت آلة الرق هي الآلة الرئيسية التي تقود الفرقة كما ذكر الباحث، لينتقل إلى المقطع الثاني والذي كررت فيه جملة “أنا لن أعود إليك” بجملة موسيقية جديدة تتضح بـ “أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبي” وبيّن الباحث قدرة أم كلثوم التي لا يضاهيها أحد على التعبير بترنيمات صوتها عن الألم والإصرار. ومن ثم تعود إلى الماضي:

“كنت لي أيام كان الحبّ لي أمل الدنيا ودنيا أملي” فأفرد السنباطي مساحة للقانون بتناغم شديد بين تموج نغماته وآلات الفرقة تعبيراً عن العاطفة الحزينة، ليدخل مقام العجم بالمقطع التالي ويستخدم الإيقاع الحماسي _دم تك_ المستخدم بالأناشيد الوطنية، وبرأي الباحث أن السنباطي لم يوفق بين الكلمة واللحن وأضرّ الإيقاع بالمعنى:

“ثم أخلفت وعوداً طاب فيها خاطري/هل توسمت جديداً في غرام ناضر” عكس الجملة الموسيقية في المقطع التالي والتي راعى فيها السنباطي المدود كما في “فغرامي راح يا طول غرامي إليه” للتعبير عن آلام الفقد فهيمنت روح التناغم والتطابق بين المعنى واللحن، ليعطي مساحة لصولو الكمان للعازف أحمد حفناوي في مقطع “كان عندي وليس بعدك عندي/نعمة من تصوراتي ووجدي”، لينتقل من مقام البيات إلى الكرد “يا ترى ما تقول روحك بعدي” ليمهد بالدخول بمقام الصبا الحزين بمقطع ” حسب أيامي جراحاً ونواحاً ووعوداً”، ليتغير اللحن في “يسهر المصباح والأقداح والذكرى معي” مع مقام البياتي ليعود إلى مقام الصبا في: “يا لذكراك التي عاشت بها روحي على الوهم سنين”،لتصل إلينا كما قال الباحث صور مبهمة مجرد خيالات للألم.

“قصة الأمس أناجيها وأحلام غدي/وأماني حسان رقصت في معبدي” وتتميز الفواصل الموسيقية بالجملة الموسيقية لمفردة “حسان”.

لحن القفلة والنهاوند

وبرأي الباحث فإن السنباطي لم يخطط للحن في قفلة القصيدة وإنما لتوحده مع معانيها الرائعة انسابت ألحانه بتلقائية.”وسحابات خيال دائم كالأبد”. ليخلص إلى أن السنباطي استطاع التنقل بسلالة وبساطة بين المقامات التي تجاوزت ثلاثة عشر مقاماً، ويعود ليختم القصيدة بمقام النهاوند لتكون البداية موحدة مع النهاية وتكتمل الدائرة مع التعبيرية الوجدانية والصوت القوي.

ملده شويكاني