ثقافة

“الأســـــــرار”.. وأسلــــوب التعامــــــل معهــــــا

“ما أكبر الأسرار وما أصغر بعض القلوب”.. ولعل عظمة الإنسان تتجلى في كونه مستودع أسرار، فأعظم الأسرار في الدنيا وأدقها يحفظها قلب كبير وعقل وفير. ولطالما ألفنا منذ نعومة الأظفار تلك المقولة حين يسأل إنسان صديقا له: هل لديك مكان للسر؟ فيجيبه بنوع من الأريحية: “بير”، أي بئر. وعلى الرغم من أن البئر ليست مكانا عميقا، ويمكن الوصول إليها بسهولة، فإن الفترة التي ظهر فيها هذا المثل كانت البئر أعمق مكان في الكرة الأرضية.

إن حاجة الإنسان إلى الأسرار قديمة جدا، قدم وجوده، وقد حافظ على أسراره حين كانت حياته ووجوده متعلقين بها، إلى أن وصلنا إلى مرحلة عدم الثقة، وليس هناك من يؤتمن على سر، فكل سر زاد على اثنين ذاع وشاع. وتأكيداً على حالة انعدام الثقة، ظهرت لنا بدع جديدة، حيث بات يقال: إذا أردت أن تطلق شائعة، فقلها لصديق وقل له بعدها: أرجو ألا تخبر أحدا بها. فهذا الرجاء كفيل بانتقال الشائعة إلى كل مكان، لتعود إليك مضاف عليها ماتيسر من البهارات والتوابل التي تفنن بها الناقلون.

قد تقف مصائر عند سر معين ويتحدد نجاح خطط ومشاريع في أسرار يتعين كتمانها، وقد تضيع مصداقية أحدهم في إفشاء سر ما أو تهدر سمعة امرأة في سر محدد، وغني عن البيان أن كتمان السر يساعد على النجاح في الأعمال، ويحفظ للإنسان مكاسب طيبة مادامت بعيدة عن علم الغير. وقد قال الإمام علي: “سرك أسيرك، فإن تكلمت به صرت أسيره..” ما يعني عدم الإكثار من “الفضفضة”، لأننا لا ندري متى يخون المنصتون لأسرارنا، فالقلوب أوعية الأسرار والألسن مفاتيحها. وكم هو حري في أن يحفظ الإنسان مفتاح سره. ومازلت أذكر حكمة قرأتها لأحدهم منذ سنوات بعيدة تقول: “لو عرف سري زري لقطعته..” في دلالة على دقة السر وخطورته، فمن كتم سره كان الخيار بيده، ومن أفشاه وفرط فيه كان الخيار عليه.

أما التعامل مع أسرار الناس، فهو معيار للأخلاق ودليل النبل والمروءة، ففي حفظها أمانة عظيمة وفي نشرها ضغينة كبيرة، وقد حثت الأديان وحذرت من إفشاء الأسرار والتفريط بها، وإذ ذاك فعندما تنتهي علاقتنا بإنسان أحببناه يوما ما سواء كان برتبة صديق أو حبيب، فإنه من الأخلاق حفظ أسراره، آخذين في اعتباراتنا أن أسوأ الناس خلقاً ذاك الذي إذا غضب منك أنكر فضلك، وأفشى سرك، ونسي عشرتك، وقال فيك ما ليس فيك.

ولئن كان حمل الأسرار والحفاظ عليها في القلوب طي الكتمان يشكل حملاً ثقيلاً على الصغار، فإن حفظ الأسرار معيار أخلاقك ورقي تربيتك وأصالة مبادئك وجمال طويتك. ذلك لأن إفشاء السر، موقع في الحرج، ومفرق بين الأحبة، مخرب للأسرة، منتج للعداوة. وإنه لمن المؤسف حقا أن هناك من الصغار السذج من يفشي بأسراره، فيقع بما لا تحمد عقباه. وكذلك هناك من الحاقدين المأزومين والمحدودين من يكشف أسرار غيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بحثاً عن أي مكاسب مادية أو معنوية . فيقع في دوامة الازدراء والحقد والملامة.

سامر العطري