هل يَكْبُرُ حنظلةَ يوماً ؟

“اسمي ناجي العلي، ولدت حيث ولد المسيح في طبريا والناصرة، في قرية الشجرة في الجليل الشمالي، أخرجوني من هناك بعد عشر سنوات في العام 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان. اذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكر من بقية عمري، أعرف العشب والحجر والظل والنور، لا تزال ثابتة في محجر العين، كأنها حفرت حفراً، لم يخرجها كل ما رأيته بعد ذلك”، هكذا كان يقدم نفسه، وهكذا من الشمال الفلسطيني كان النزوح الأول إلى عين الحلوة، ثم تأخذه الحياة إلى حيث استشهاده في 29 آب 1987 في عاصمة الضباب والحريات برصاصة غادرة وبيد واحد من أعداء الحريات.
رحل ناجي العلي أشهر رسام كاريكاتير فلسطيني وفي جعبته أكثر من أربعين ألف حكاية ترويها وجوهه وشخصياته الساخرة.
العلي الذي أطلق تيمته الشهيرة في العام 1969 للمرة الأولى؛ حنظلة الطفل البائس ابن العاشرة بقدميه الحافيتين وملابسه البالية، بشعره الذي يبدو كالإبر الحادة “لعلها سلاحه الذي يشهره حين يستشعر الخطر”. وهو حتى اليوم بقي شاهراً إياه بانتظار استرداد كرامة  طال انتظارها.
ولم أسميته حنظله؟ يُسأل العلي يوماً فيقول: “لعله الاسم الذي يحمل من المرار ما يليق بالحال الذي هو فيه”.
ناجي العلي الذي أعلن ومنذ بداياته التزامه بالقضية؛ ما قبل يوماً أن يكون تابعاً إذ القضية التي يحملها أكبر وأهم من كل دكاكين السياسة مهما علا شأنها ومكانتها.
وهكذا بقي للفتى الذي لم يكبر؛ منذ ولادته بصمته وتوقيعه حتى النهاية، ليتحول إلى أيقونة ورمز؛ مثله مثل الكوفية وزيتون فلسطين وبرتقالها في عيون وقلوب الفلسطينيين وحاملي هم القضية، تنكب وبادر إلى كل ما يخدم ويدور في رأس صاحبه، رمى الحجارة مع الأطفال في انتفاضتهم الأولى وربما كان بادر إلى ذلك قبل اندلاعها، وشهد بأم العين على عمليات الطعن التي باتت الوسيلة الناجعة للمنتفضين في ثورة دعيت فيما بعد ثورة السكاكين، هاجم عدوه بكل قواه والفاسدين والقيادات المهرولة إلى الاستسلام، المجتمع الدولي والرأي العام العالمي والمحلي، لكنه وفي لحظة غادرة وقف باكياً أمام مسدس بكاتم صوت أودى بصاحبه الأعزل إلا من قلم وريشة ولوحة صغيرة؛ إلى الغياب الأخير قبل أن يصل إلى الصحيفة حيث يعمل.
برغم الغياب لم يغادرنا ناجي العلي يوماً، برغم مرور السنوات الثلاثين على ذلك الصباح الملطخ بدمه، لم يغادر وبقي ملتزماً حضوره في كل كارثة وأزمة وملمة ألمت بهذا العالم الذي نحيا فيه وعلى ترابه، يطرح تساؤلاتنا ويصور خيباتنا، ويتلقى معنا وعنا الطعنات تلو الطعنات، بينما العالم يترنح ويقاوم السقوط إلى عمق الهاوية.   هل نتساءل؟ ما الذي يجعل رجلاً غيبه الرصاص قبل عشرات السنين ممثلاً بطفل كـ”حنظلة”؛ ممتلكاً ذات الحضور برغم الرحيل. لعل الإجابة لا تتوقف عند كونه من أعظم رسامي الكاركاتير السياسي حامل الرأي والقضية، أو لعلها خطوطه والوجوه الساخرة بألسنتها اللاذعة وسهامها التي لا تخيّب الظن فتصيب أهدافها، وربما هي قبل ذلك قدرته على استشراف الحدث ما أبقاه حاضراً ممتلئاً بالحياة في الضمائر والقلوب التي تشارك فتاه الصغير انتظاره المرير.

بشرى الحكيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *