حديث آخر في “الثقافة”

الحديث عن الثقافة وأحوال الثقافة والصفات العامة، لها سواء كحالة قائمة بحد ذاتها في بلد ما مثلا، أو الحديث عن خصوصيتها وطبيعتها القائمة في جوهرها على الفطرة والتجربة والإدراك، ليس بالحديث الجديد كما أنه ليس بالحديث الذي ننتهي منه ثم نضعه في حقيبة ما، مهملا على ظهر خزانة ملابس مثلا، فالثقافة بحاجة إلى عملية تطوير واعية ولا واعية يومية، يحققها المشتغلون في حقولها العامة، ويرفدها الأدب بأنواعه والفكر والفن والحكمة والخبرة الشخصية والظروف القائمة في بلد ما، بما يبقيها متجددة دائما وقادرة على مواكبة حياة الأمة، أي أمة، فالثقافة التي ينتجها بلد يخوض حربا شرسة كالتي نخوض، ليست كالثقافة الموجودة في إمارة “موناكو” مثلا!. وما تنتجه بصيغها العامة والخاصة، لا يكون حاله في الحرب كما هو في حالة السلم، لهذا تتمايز ثقافات الشعوب وتختلف حسب منطقها وصيرورتها التاريخية ونظرتها إلى الحياة وظروفها عموما، حتى في الجانب الديني الذي غالبا ما يتدخل في شأن خطير كهذا.
وربما من واجبنا اليوم وفي هذه المرحلة تحديداً، العمل بجهد حقيقي، على تطوير بناها وآلياتها ووحدتها أو على الأقل عدم تنافرها بالمطلق، العمل على نبذ كل مدعٍ لها وجاهلٍ لمعناها، وتقديم الدعم للقادرين على إثرائها وتطويرها وجعلها في شكلها الأرقى، طموحا أعلى وقيمة لا تقدر بثمن، إلا أن “الثقافة” عموما، لا يُكتب لها النمو والتطور بشكل طبيعي وصحي، ضمن مؤسسات لها طبيعتها القانونية وشخصيتها الاعتبارية وغيرها من الجدران التي تقف في وجهها، فالثقافة كنتاج إنساني هي حالة شعبية ينتجها المجتمع بمختلف شرائحه وأفكاره، بقادة الرأي فيه، بمفكريه وكتابه وفنانيه، وهذا المجتمع يجب أن يقدّم له الدعم وليس الوصاية في شأن خطير كهذا، ولكن ما حدث أننا اعتنينا بالمؤسسة وبشكل المؤسسة، حتى صارت الثقافة على الرف، والمؤسسة هي من تشكّل هذه الحال الثقافية المضطربة في أقل تقدير، وأنتم تعرفون، أن المؤسسات عموماً مزاجية، تتغيّر سياستها من جيل إلى جيل ومن إدارة إلى أخرى، وعدم الاستقرار هذا، أو القلق وعدم وضوح الرؤية والتضارب في الأهداف، هو ما يشكّل الطعنة الأكثر عمقاً في جسد الثقافة الهش أساسا.
بالتأكيد وجود المؤسسة عموما، ضروري وهام في عملية التنسيق والعمل بجهد حقيقي للتعرف على الأنماط الثقافية السائدة في البلاد، ورصد مواضع القوة والتميز فيها للسير في تطويرها، ومواضع الضعف أيضا التي تُفقدها معناها وقيمتها، والعمل على تطوير ما يساعد مجتمعنا في ذهابه نحو حاجة تطورية عليا كالبناء بعد الدمار، ليس بناء الحجر وحده بل العقل والروح أيضا التي تسمو بسموه وتنحدر بانحداره، كما أنها يجب أن تعمل على تهيئة العوامل التي تساعد الإنسان على الإدراك الصحيح القائم على التجربة والملاحظة، ولو كان هذا قائما فعلا، لما رأينا هذه الفروق الثقافية الشاسعة بين أبناء الوطن الواحد، كما حدث لدينا، وهذا يعني أن المؤسسة عموما لم تقم بالدور المنوط بها، وعليها تقييم أدائها والتفكير بمنطقه ومراجعته، لأن ما هو سائد حتى اللحظة، لا يبشر بالخير، فالمحاباة لاتنتج فعلاً ثقافياً، بل العمل والعمل الجاد فقط، لا المسلوق على نار باردة!
تمّام علي بركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *