ثقافة

“الشخصية” في الدراما العربية والمحلية

المتتبع للدراما العربية منذ بداياتها وحتى مدة ليست بالبعيدة عن الراهن، -أربعة أو خمسة عقود تقريبا- يعرف أنه بما يشاهده من أعمال درامية بأنواعها، أنه يشاهد قصة مكتوبة عوض أن يقرأها، – أحد أهم عوامل الجذب التلفزيوني خصوصا لدى الشعوب التي لا تقرأ- وهذه القصة المصورة، واحدة من أهم مقوماتها هي الشخصية أو البطل، وهو ذاته البطل في السيرة الشعبية، التي كان السوريون مثلا يستمعون إليها في المقاهي من قبل الحكواتي، ويتفاعلون مع أحداثها متعاطفين مع بطلها، قبل اختراع السينما والتلفزيون “الزير سالم- عنترة بن شداد وغيرهم”، وتسمية الشخصية بـ “البطل” ليست اعتباطية، فالشخصية “الحكائية” في أي من أنواع القصة الدرامية، تنقسم إلى عدة أشكال مختلفة حسب مقتضى وجودها في الحكاية، فكما لا تقبل الخشبة المسرحية، وجود أي شيء فوقها لا شغل له، كذلك الحكاية، لا يمكن أن تتواجد فيها شخصية لا عمل لها، ويتبين لنا من الدراسات النقدية الكثيرة لأهم القصص العالمية، التي تم الاشتغال عليها من قبل العديد من النقاد وحسب مختلف المذاهب النقدية، أن أنواع  الشخصية لا يمكن ولايصح المقارنة بينها أو بين مستوياتها، فلكل منها مميزاته وخصوصياته ودوره بحسب السياق القصصي الذي يشمله، إلا أن الجاري في القصة القصيرة مثلا، أن تكون شخصيتها جاهزة، لأن الشخصية النامية غالباً ما توظفها الرواية، ويفضل الاقتصار على شخصية واحدة في القصة، أو على أدنى عدد يسمح به موضوع القص، فكثرة الشخوص تعتبر هنا مثلبة، حدث أن سقطت فيها بعض الإنتاجات القصصية، خاصة إذا كان مهرجان الشخوص لا تسوغه ضرورة فنية أو كانت الشخوص تتحرك في جو قصصي غير مبرر لوجودها، كما مسلسل “الأخوة”-تأليف محمد أبو اللبن، لواء يا زجي؛ وإخراج سيف الدين سبيعي، وسيف شيخ نجيب وحسام قاسم الرنتيسي-الذي تواجدت فيه شخصيات كلها يمكن تصنيفها وفق ظهورها بالشخصية البطلة – البطولة الجماعية- وكل شخصية لها حكايتها الخاصة المرتبطة بشكل غير مقنع حتى بالخط العام للقص، فالحكاية هنا ليست مهمة، وما هو معها فعلا، هو وسامة الممثلين من الرجال، والإغراء الذي يجب أن تظهر به الممثلات.

وشخصية البطل لا تحتمل ألا تكون موجودة بكامل ثقلها المعنوي والمادي في القصة، وإن لم تحضر كذلك فما من قصة أساسا، لأن البطل هو الإنسان الذي يخلق الصراع ويجعل الأحداث تتحرك إلى الأمام، فالبطل يعرف ماذا يريد، وهو مركز الأحداث التي تتحرك حسب طبيعة الحكاية ونوعها “كوميدي- تراجيدي- فانتازي”.

إلا أن الدراما العربية عندما بدأت تقدم أعمالها للجمهور،  اعتمدت في بداياتها خصوصا في الدراما المصرية، التي ذهبت لتصوير أهم الروايات العالمية، من خلال إعداد بسيط لا يتماشى وطبيعة العمل الروائي نفسه المقدم- كما في رواية “الأخوة كارامازوف” التي قدمتها السينما المصرية تحت عنوان “الأخوة الأعداء”- اعتمدت على الشخصية التي تتمتع بصفات مميزة، فالبطل يجب أن يكون جميلا، وسيما، ممشوق القد، جذاباً، معشوق النساء، والبطلات أيضا تنطبق عليهن ذات المعايير، مع جرعة زائدة في الإثارة، التي ربما لا يستوجبها العمل الدرامي، ولكن لضرورات تسويقية صارت معروفة.

هذا الحال استمر لمدة لا بأس بها، حتى بدأت الدراما التلفزيونية بالظهور، وهنا اختلفت معايير شخصية البطل، فلم يعد الجمال والوسامة هما الأهم بالنسبة للعمل، بل مواءمة الشخصية لطبيعة الدور هي الأهم، عدا عن توفر الموهبة الحقيقة في التمثيل لدى الرجال، فيما لم يكن الإلحاح ضروريا على هذه الناحية عند الممثلة الجميلة، فجمالها هو ما يقدمها للعمل، وبعد هذا التغير الهام الذي وقع على شخصية البطل، لمع نجم العديد من النجوم العرب والمحليين، الذين لا يتمتعون بوسامة وأناقة وهيافة ورومانسية عالية، تذيب قلوب العذارى، البطل صاحب الطلة البهية، لكنهم يتمتعون بموهبة تمثيلية نادرة، وبإحساس خلاق في تقديم مفردات الشخصية، رغم مظهرهم غير الوسيم أو العادي، ليرى المشاهد العربي عموما نجوما من نوع آخر، غير الذين كان يتابعهم مثل “رشدي أباظة وحسين فهمي ونور الشريف”-، نجوم ليس المظهر الجذاب أو الجمال مفردة من مفردات وجودهم في الحكاية المصورة، وهكذا صار “عادل إمام” مثلا بطل شباك التذاكر في مصر، و”دريد لحام” الشخصية التي يريدها الجمهور ولا يمل متابعة أعمالها أينما حلت- مسرح- سينما تلفزيون- وبقيت الدراما التلفزيونية التي اكتسحت الشاشات، على هذا المنوال لعقود عدة، قبل أن تعود للاعتماد مرة أخرى، على الممثل الجميل، خصوصا وعدم توفر نصوص جيدة يمكنها أن تحمل العمل الفارغ من المضمون، وعوض أن تكون الحكاية وطبيعتها هي من يقدر الحاجة إلى هذا النوع في الشخصية أو غيره، وبالتالي هي من تحمل في سياقاتها الحكائية، نجومية الشخصية، صار النجم الوسيم والنجمة المثيرة، هما من يحملا مفاتيح متابعة هذا العمل أو ذاك، وهذا الاتجاه نشط كثيرا بعد ظهور الدراما التركية المدبلجة، التي تعتمد على القصص الرومانسية التافهة، وجيش من الممثلين الوسيمين والجميلين، وصار المشاهد العربي، يتابع تلك الأعمال، لا لما تقدمه من حكاية مشوقة حسب نوعها، بل حسب البطل الموجود فيها، مثل “مهند ولميس” وغيرهم من نجوم تلك الدراما، الذين هم في واقع الأمر، ليسوا أكثر من وجوه ترويجية للسلع العالمية، وهذا موضوع آخر، لكن هذه الملاحظة لا ريب أن جميع المشاهدين لاحظوها، فما أن يلمع نجم ممثل ما، حتى تهرع شركات المنتجات العالمية، لجعله يروج لها في إعلان مدفوع، يمكن أن يصل فيه اجر البطل إلى ملايين الدولارات.

ورغم أن الدراما العربية عموما والمحلية بشكل خاص، لها ما لها من ماض قصصي عريق، أوجده العديد من كبار الروائيين والكتاب العرب، إلا أن بعض منتجيها، ارتأوا أن يذهبوا نحو تقليد الدراما التركية، التي كما سلف وذكرنا، لا تعتمد على أهمية الحكاية، بقدر ما تعتمد على وسامة البطل والبطلة وقدرتهما على جذب الجمهور، وهكذا عادت الشخصية التي تتمتع بالمواصفات المرغوبة، كالوسامة والجاذبية والإثارة، للظهور بقوة، خصوصا في الدراما العربية المشتركة التي ظهرت مؤخرا، لكن الحق يقال، بأن الدراما المحلية بعمومها لم تقع في هذا الفخ، لكن هذا لا يعني أنها تلافت فخاخا أخرى وقعت فيها، منها ما ذكرناه، ومنها ما سنأتي عليه في غير مقام.

تمّام علي بركات