بعد انتهائها من تصوير فيلمها الجديد كوثـــر معراوي: أفراحنــــا سوداء

بعد تميز فيلميها “ضجيج الذاكرة” الحائز على جائزة أفضل إخراج في مهرجان واسط السينمائي وفيلم “صمت الألوان” الحائز على ثلاث جوائز في الدورة الرابعة لمهرجان السماوة السينمائي للفيلم القصير انتهت المخرجة كوثر معراوي. من إنجاز فيلمها “أفراح سوداء” عن نص من كتابتها وإنتاج المؤسسة العامة للسينما، تتناول فيه حالة من حالات استيعاب وطريقة فهم مجموعة من الأطفال للحرب وتبعاتها من وجهة نظرهم المتخمة بالبراءة والدهشة والحب اللامحدود.

أليس في بلاد العجائب
وتبيّن معراوي أن “أفراح سوداء” يختلف عن فيلميها السابقين باعتماده على الأطفال من خلال خامة من الأدمغة النقية منطقية التفكير التي تحتاج إلى كافة التفاصيل المطروحة أمامها لمبررات منطقية بعيدة عن العنف والشر، ودون تقديم هذه المبرارات ستشعرنا نظراتهم وتساؤلاتهم بالفشل، مؤكدة أنها لم ترَ أو تكتب النص من وجهة نظرها بل مما جمعته سابقاً من مقابلات قريبة للاستفتاء عبر أسئلة طُرِحت عليهم وكانت الأجوبة صادمة، تحمل أسمى معاني الإنسانية النقية غير المشوهة داخل عقولهم الصغيرة الجميلة، وهكذا كوَّنت ورسمت ملامح سيناريو الفيلم، مبينة أنها حاولت على صعيد الشكل الإخراجي أن يكون هذا العمل مختلفاً عن سابقيه، وهو غالباً ما يتكون لديها أثناء كتابة النص، حيث تتخيله قبل كتابته وكأنه شريط سينمائي يُعرَض أمامها، مؤكدة أنها لا تحب التكرار، ومتمنية أن تكون قد وفِّقت بما قدمته من شكل إخراجي مختلف عن أفلامها السابقة، ولكنه بالتأكيد يحوي روحها وبصمتها التي يجب أن تشبهها في النهاية، مشيرة إلى أنها في كل عمل جديد تبحث فيه ومعه عن جديده وما يحمله من دهشة بصرية وسمعية في جميع المراحل، بدءاً من الكتابة إلى التحضير والتنفيذ، وانتهاءً بالعمليات الفنية ورؤيته بالشكل النهائي، وبالتالي فإن عملية تحويل النص –برأيها- إلى صورة تجعلها كـ “أليس في بلاد العجائب” وهو شعور جميل يتكرر مع كل عمل مما يزيد من خبرتها على صعيد الكتابة والإخراج معاً، وبما أن التصوير كان في منطقة مدمِّرة ومليئة بالخراب والقبح حاولتْ أن تلتقط بعض الجمال مما هو موجود فيها ليتناسب وروح الأطفال ووجوههم الجميلة التي لم يكن هناك أجمل منها لتركز عليها.

مغامرة
وما بين الرؤية والشكل النهائي واللقطات: من أين؟ وكيف؟ وأسبابها؟ وهل تتناغم مع المضمون الدرامي، وحتى الموسيقي؟ تتساءل معراوي : ما الذي يمكن أن يكون مناسباً لوضعه في حساباتها أثناء تنفيذ اللقطات، والسمع يوازي الصورة في الأهمية. وتؤمن كوثر معراوي أن وجود الأطفال في فيلم مغامرة، لذلك حاولت أن تجتمع بهم بشكل مستمر، وكانت تخيفها فكرة ضبط أداء ومشاعر وكلمات الأطفال جميعاً في وقت واحد وحالة التناغم فيما بينهم على ألا يفقدوا عفويتهم، وقبل أن تراهم أصيبت بحالة إحباط خوفاً من الفشل في التعامل معهم، ولكن بعد أول لقاء بدأتُ بالاسترخاء، وكان الأطفال يشعرون بالمسؤولية لما يقومون به وجادّين في التعامل مع الفيلم الذي اعتبروه مشروعهم وكأنهم تبنوه من اللحظة الأولى، وهذا جعلها تبدو صغيرة أمام نفسها، فكانت عيونهم وكأنها تقول لا تخافي نحن معك ولن نخذلك، وهذا ما كان بالفعل، مبينة أن العمل مع الأطفال ممتع وجميل، ففي لحظات الغضب كان مجرّد النظر لوجوههم البريئة الجميلة تبتسم فيبتسم قلبها وتشعر بالاطمئنان على العمل، واليوم أصبحت لديها رغبة بتكرار التجربة معهم، فالتعامل مع الطفل أصبح بعد تجربتها أسهل من التعامل مع الممثلين الكبار، خاصة وأنها تعاملت مع الأطفال كواحدة منهم، فكانت رفيقتهم وصديقتهم، وأحياناً كانت تشعرهم بأنها أصغر منهم عمراً، فيشعرون بالمرح ويضحكون، وبالتالي أشعرتهم بالاطمئنان كما فعلوا معها لدرجة مطالبتهم بمتابعة التصوير والعمل بعد أن انتهى التصوير، لذلك أشارت إلى أن فيلم “أفراح سوداء” كان تجربة ممتعة وجديدة ومبهجة بالنسبة لها ولفريق العمل كله.

من كتبه ليس بطفل
وتؤكد كوثر معراوي أن لا صعوبات جدية واجهتها أثناء تنفيذ “أفراح سوداء” فكانت صعوبات بسيطة جداً كأي عمل، ولبساطتها تم تفاديها بسهولة، ولكن لطبيعة المكان الذي صوِّر فيه الفيلم كان لديها خوف دائم على الأطفال من الشمس وخوف أكبر  من أن يتعرضوا لجرح أنفسهم بسبب لعبهم بالتراب والحجارة واستمتاعهم بتواجدهم في المكان، والخوف من أن يتسلل التعب إليهم، ولكن هذا لم يحدث مطلقاً، فطاقتهم كانت تشعرها بالخجل عندما كانت تشعر به وهم بكامل نشاطهم، منوهة إلى أن الظروف منعتها من فرصة مشاهدة الأعمال السينمائية التي اعتمدت على الأطفال بسبب عدم تواجدها، أو لظروف أخرى أثناء عرضها، ولكن لما شاهدته مصادفة على شاشة التلفزيون بالنسبة للأعمال المعتمدة على الطفل فقد كانت برأيها خطابية لا تتناسب ومفهوم وتفكير الأطفال، وواضح من الحوار فيها بأن من كتبه ليس بطفل بل عقل كبير واعٍ يستخدم لسان طفل لعرضه، مشيرة إلى ازدياد الوعي بما تقوم به بشقيه الكتابي والإخراجي وازدياد شعورها بالمسؤولية، فهي لم تعد بحيّز التجارب والاكتشاف على صعيد الأمور البسيطة والبديهية، فنحن دائماً في حالة اكتشاف وتجربة بكل ما نقوم به، ويجب أن تكون المرحلة القادمة تأكيداً لهويتها الفنية وتثبيتها وتفادي الأخطاء التي واجهتها وعدم تكرارها، وهذا لا يعني أيضاً مرحلة دون أخطاء، فالأخطاء لا بد منها طالما أننا نعمل.

الدهشة المستمرة
وتعترف معراوي أنها لم تقدِّم ما تطمح وتصبو إليه في عالم السينما، فالسينما برأيها هي الدهشة المستمرة اللامنتهية واللامحدودة، وعلى صعيد التلفزيون هناك مشروع مطروح عليها ككاتبة ومخرجة لأول مرة، تتمنى أن يرى النور ويُكلل بالنجاح ويكون أول تجاربها التلفزيونية.
وتوجهت معراوي بالشكر إلى المؤسسة العامة للسينما ومديرها مراد شاهين لإتاحتها فرصة تقديم فيلم “أفراح سوداء” وإعطاء الفرص بشكل متساو لهواة السينما ولمحبيها، وجهت شكراً كبيراً للأستاذ عبد اللطيف عبد الحميد الذي كان خير معين لها بخبرته وسعة صدره، وشرَّفها أن تكون المعالجة الدرامية للنص بين يديه، ولجميع الأطفال الرائعين :لانا، كريم ، جوري ، يارا ، هيثم ، مهند ، سيزار ، ليث ، جويل ، زين، شادي ، وأيضاً : علي حبيب ، عبد الله السيار، قمر النجار ، علي ابراهيم ، ماجد عيسى ، ولجميع من شارك وساهم وعمل على إنجاز هذا العمل وعلى رأسهم الأستاذ باسل سراولجي والأستاذ حسان الموحد.

أمينة عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى