صحيفة البعثمحليات

نساء يروين قصص الزيجات وأخريات لا يعرفن قيد أزواجهن بفتاوى ملك “اليمين” في رصد مجهولي النسب.. المعراوي: لا حكم بوفاة المفقود إلا بدعوى استثنائية والقضاة يتدارسون جميع الحالات

 

مع أرشيف الإرهابيين الأسود المتخم بتدمير الحجر وتهجير البشر وقتل الأطفال، كانت الوحشية دافعاً لحرمان الأطفال في المناطق التي تخضع  لسيطرتهم  من معرفة آبائهم بإطلاق فتاوى لا تمت للشرع بصلة، وبالتالي جعل مجهولي النسب يواجهون مشكلات جمة في البحث عن نسب خطف منهم في ظلام الجهل القاتل، ويزداد الوضع تعقيداً عندما لا تعرف المرأة عن زوجها شيئاً ولا حتى قيد نفوسه وخانته.. فقط  عرفته زوجاً بعد أن وصلها خبراً أن زوجها الأول رمى عليها يمين الطلاق لتعيش مع زوج آخر وتنجب أولاداً.
ما ذكرناه ليس قصة خيالية بل واقعة لسيدة خرجت من مدينتها بعد تحريرها من قبل الجيش العربي السوري قاصدةً  قصر “العدل” في دمشق تنشد حلاً يكفل عيشة كريمة لها ولابنها ذو الأربعة أعوام. ولم تك السيدة الوحيدة بل هناك حالات كثيرة ومشكلات مختلفة كرسها تخلف القائمين على القضايا “الشرعية” في محاكم الإرهاب، فهذه “إ. ي” متزوجة من شخص من دون تسجيل عقد زواج أصولاً، ليختفي فجأة من دون سابق إنذار تاركاً وراءه ولداً وبنتاً وعند خروجها من منطقتها إلى دمشق ذهبت إلى مركز الإيواء من دون قيود أو ما يثبت نسب ولديها، إلا أنها تنفست الصعداء عندما حلت معضلتها عن طريق المحكمة الشرعية في دمشق بتسجيل النسب لها بعد حكم محكمة وثبوت التحليل الطبي أنها الأم الحقيقية، حيث سجلت في أمانة السجل المدني وحصلت على قيد عائلي أصولاً بعد أن “انتحل” أمين السجل اسماً للزوج والنسب للأم، وذلك حسب ما أكده القاضي الشرعي الأول في دمشق المستشار محمود المعراوي، لافتاً إلى أن كل شهر أو شهرين هناك حالتين مشابهتين أو مختلفتين كما نسمع الكثير من القصص والحالات الأخرى من الزملاء، إضافة إلى التعاون والتنسيق مع المنظمات والجمعيات الأهلية والدولية من أجل الكشف عن الحالات، لافتاً إلى أن كل حالة تدرس حسب واقعتها وتتم معالجتها وفق قانون الأحوال الشخصية.
ورغم الضغط والازدحام الكبيرين في مكتب القاضي المعرواي لم يبخل في مدنا بالمعلومات، مشيراً إلى أن قضية المفقودين التي تشغل بال كثير من الناس، خاصة في هذه الظروف الاستثنائية، فنسمع عن مشكلات سواء بالنسبة لزوجات المفقودين في المناطق المحاصرة من قبل الإرهابيين أو المخطوفين من قبل المسلحين، حيث هناك فتاوى كثيرة في مناطق المسلحين غير شرعية تفتي بطلاق الزوجة في حال غياب زوجها 4 أشهر أو 6 أشهر أو سنة حسب كل منطقة ويقومون بعدها  بإجراء عقود زواج على أساس أن زوجها متوفى من دون أي مستند قانوني، مبيّناً أنه مهما مضى من زمن على فقدان الزوج ولو مضى عشرات السنين لا يمكن اعتباره ميتاً إلا بحكم قضائي بعد رفع دعوى من الورثة بشرط أن يتم عمر المفقود 80 سنة، وهذا في الظروف العادية، إلا أنه وحسب القانون في الظروف الاستثنائية كالظروف الحالية التي نمر بها، فيحق لذوي المفقود رفع دعوى بعد أربع سنوات على فقدانه واعتباره ميتاً بشرط إحضار شاهدين من أهل المفقود أو أصدقائه أو جيرانه يشهدان منذ بداية الفقدان مع استمرارية الفقدان حتى الإدلاء بالشهادة بعد مضي أربع سنوات مع التركيز على تاريخ بداية الفقدان.
ونفى القاضي المعراوي كل ما نسب على لسانه بأن المحكمة الشرعية تحكم بوفاة المفقود بعد أربع سنوات، معتبراً أن المحكمة الشرعية تطبق النص وتسير وفق قانون الأحوال الشخصية.
وعن حالة السيدة التي خرجت من المناطق المحاصرة إلى دمشق، وهي متزوجة من شخص  ومازالت على عصمة الزوج الأول “قيل لها أنه طلقها”. أكد القاضي المعراوي أننا نتعامل وفق القانون، حيث إن حكم زواج السيدة المذكورة فاسد وبناء عليه يتم تثبيت الزواج أولاً ومن ثم اعتباره فاسداً، علماً أن تثبيت نسب الأطفال أهم الأشياء في هكذا قضايا ومن بعدها أمرهم بالمتاركة من الزوج الثاني وفي حال رغبت بالزواج منه مرة أخرى عليها أن ترفع دعوى تفريق على زوجها الأول ويحكم لها بالطلاق وتقضي العدة ومن ثم يعقد عقدها وفق القانون.
ومع تجوالنا في أروقة القصر العدلي بدمشق التقينا عدداً من المحامين الذين طلبوا تسهيلات في إثبات الدعاوى، حيث لفتت المحامية ميس رزق إلى ابتعاد أغلب المحامين عن هذه القضايا نظراً لصعوبتها، ولاسيما في ظل عدم وجود أوراق ثبوتية وصعوبة الحصول على التقارير الطبية وكلفتها العالية جداً، إضافة إلى تقيد القضاة بالنص حرفياً، إلا أن القاضي المعرواي كشف عن اجتماعات دورية للقضاة الشرعيين ودراسة وتداول جميع الحالات التي سمعوا بها مع اجتهادات لإيجاد الحلول وتخفيف العبء على المواطنين، إضافة إلى الاستعداد الكامل، خاصة في ظل اقتراب الانتهاء من الأزمة وتحقيق النصر لنكون في جهوزية والتصدي لأي قضية وحالة من التي نسمعها.
وعما يسمع عنه المواطن من هيئات “شرعية” في المناطق المحاصرة والفتاوى التي تصدر، أكد المعراوي أن هذه الهيئات لا تحمل من اسمها نصيب، وهي ليست شرعية وبعيدة كل البعد عن الشرع، منوّهاً بحالة سيدة أرسلت له استفساراً عبر التواصل الاجتماعي عن فتوى زواج ملك اليمين، حيث أفتت إحدى هذه الهيئات فتوى لأحدهم لديه أربع زوجات بزواج الخامسة عن طريق ملك اليمين. ليرد عليها القاضي المعراوي أن زواج ملك اليمين انتهى مع زمن الرق وتعتبر هذه الفتاوى مخالفة للدين والقانون.
يشار إلى أن حالات الطلاق المثبتة في المحكمة الشرعية بدمشق في عام 2016 بلغت 7500 حالة، أما حالات الزواج فـ 27500حالة، أما نسبة زواج القاصرات في عام 2016 بلغت  13%، في الوقت الذي كانت 11% في عام 2015، علماً أن الدعاوى التي تبت بها المحاكم في دمشق من مختلف المحافظات وليست فقط لدمشق نتيجة تواجد عدد كبير من المحتفظات في العاصمة وريفها.
وفي نهاية القول ومع كل الجهد والتقدير للعمل المضني الذي يقوم به القضاة والعاملون في القصر العدلي، إلا أننا نسجل همسة عتب على المحامي العام الأول بدمشق، ولاسيما أننا انتظرنا قرابة الساعة خارج المكتب والمانع وجود قضاة في مكتبه حسب ما قيل لنا  ولكن خلال تواجدنا أمام باب المكتب دخل أشخاص كثر والملفت أن أحد الأشخاص قال للموظف المسؤول عن الدخول: إنه من قبل وزير العدل، فسمح له بالدخول فوراً وعند اعتراضنا على هذا الموقف دخلنا بناء على طلب المحامي العام الذي استغرب وقوفنا ساعة خارج المكتب.
علي حسون