اقتصادصحيفة البعث

“فضيلة” لاحقة..؟!

لا يكفي أن نبدأ رغم أهمية الانطلاقة الأولى في أي عمل؛ فهناك الهام والأهم، وخاصة حين تناول موضوع التنمية بوجه عام، والتنمية المستدامة بوجه خاص.

ولأن مقياس الاستمرار والقدرة على الاستدامة مرتبط حكماً بالأداء، ومن ثم بالنتائج، وجب أن يكون هناك تقويم موازٍ لكل مرحلة من مراحل الاستمرار في الأعمال، وبالتالي تقويم  وتقييم لكل المبذول مادياً وبشرياً (إذ طالما نغفل عن حساب الجهد البشري كقيمة وثمن حقيقيين)، في القطاعات والمشاريع التي يطلق عليها تنموية.

التعريف الدولي للتنمية المستدامة يشير إلى أنها عملية تحول متواصلة وقابلة للاستدامة، تهدف إلى زيادة دخل الفرد وإنتاجيته، مع توفير الحاجات الأساسية للتنمية البشرية، وتنويع القاعدة الإنتاجية واستثمار المزايا النسبية.

ولأنها كذلك -أي التنمية- نسأل: هل ينسحب هذا التعريف على برامج التنمية التي جاءت بها خططنا السابقة والتالية تحت عنوان “عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي صرفنا عليها أموالاً طائلة وخصوصاً خلال حقبة الرخاء”..؟ وهل نجحت هذه البرامج في تحقيق هذا المفهوم الواسع للتنمية، باعتبارها عملية قابلة للاستدامة تسهم في رفع دخل الفرد وإنتاجيته، وتسعى إلى تنويع القاعدة الإنتاجية للبلاد واستثمار مزاياها النسبية..؟

نسأل في ضوء ما يتم رصده من ميزانيات لما يندرج في خانات “التنموي”، أولاً لأنه لا يوجد في آليات هذه الخطط ما يسمى قياس الأثر ومدى تحقيقها لأهدافها..!

وثانياً لغياب أية تقارير شفافة مع نهاية كل خطة خمسية أو غيرها، تقيس جدوى هذا الإنفاق قياساً بالأهداف الموضوعة التي تضمنتها كل خطة، والتي غالباً ما تكون في معظمها أهدافاً فضفاضة غير قابلة للقياس بالدقة المطلوبة؛ لأنها أهداف عمومية وأحياناً غير مقيدة بأرقام دقيقة أو فترات زمنية محددة..!

إضافة إلى أنها لا تحدد الجهات التي يتعين عليها تحقيق هذه الأهداف وكيف، وذلك بسبب تقاطع دور هذه الجهات بعضها مع بعض..!

أما ثالثاً فيعود لأن الاعتمادات المالية في ميزانية كل عام هي من يحدد مثل هذه المشاريع والبرامج المعتمدة كل عام بعامه، وليس بالضرورة أن تكون مطابقة أو منسجمة مع ما ورد في الخطة باعتبارها خططاً استرشادية وليست ملزمة.

الآن ولأن الحكاية اختلفت جذرياً، نرى بوجوب إعادة إنتاج برامج وخطط من جديد وفق شكل دقيق وحازم، وهو ما ينبغي أن يكون له جرد حساب لمعرفة ما تم تحقيقه من برامج التحويل والتحول لكل الجهات..، وأن يصار إلى إعادة تقييم ما تحقق من قبل كل وزارة وهيئة ومؤسسة.

نعتقد أن ما تقدم هو الأهم قبل أن ننتقل إلى المباشرة بتنفيذ المهم “البرنامج الوطني التنموي لسورية ما بعد الحرب”.

ولعل ما كنا تناولنها من نقد لكيفية إعداد موازنتنا العامة في زاوية سابقة، والذي تبين صحته من خلال ما أكده وزير المالية بتصريح له قبل أمس، حيث بين أن وزارته قد “حددت ثلاثة سنوات لتطوير صيغة الموازنة العامة للدولة في مشروع الإنفاق الحكومي، وذلك عبر بناء نظام شامل للموازنة العامة والحسابات الحكومية، والانتقال من القيد المفرد إلى القيد المزدوج”، يؤكد بدوره أن ما كان من برامج ورصد للاعتمادات من أجل “التنموي”، لعله.. يحتاج أيضاً للتطوير وإعادة الحساب في الكثير مما أنفق وأهدر.

فهل يكون اعتراف “ماليتنا” بما كان من ذنب سابق، فضيلة لما هو لاحق..؟!

قسيم دحدل

Qassim1965@gmail.com