مرجعية القراءة النقدية

محمد راتب الحلاق

النقد الأدبي القديم كان يتعامل مع النص الذي يشتغل عليه بوصفه نصاً منجزاً ومكتملاً في ذاته، يقدم معنى محدداً أراده منتجه، ضمن انتظامات إشارية ودلالية سائدة، تمّ التواطؤ عليها من قبل أصحاب اللغة التي كتب بها النص.
أما النقد الأدبي الحديث، بمدارسه المختلفة، فيتعامل مع النص بوصفه نصاً مليئاً بالفجوات والثغرات التي تركها النص، بعلم منتجه حيناً ودون علمه أحياناً، ليقوم القارئ بملئها بالدلالات التي يظن أنها مناسبة، والتي قد تكون طريفة ومفاجئة لم تخطر على بال منتج النص نفسه. ومن الطبيعي أن تختلف هذه الدلالات من قارئ إلى آخر، وأن تختلف عند القارئ نفسه نتيجة تغيّر الظروف الذاتية والموضوعية.. النقد القديم يحتكم إلى المعاجم، وإلى نظام الدلالات السائد والمتداول لتحصيل ما يظن أنه المعنى الحقيقي؟! في حين يترك النقد الحديث للمتلقي أمر إنجاز المعنى الشخصي الخاص به، أي إنجاز المغزى.. وعموماً، فإن النقد الأدبي القديم لا يرى غضاضة في الإذعان لإرادة النص وإرادة منتجه، حسب ما يدّعي الناقد، الذي يريد في الحقيقة أن يخضع النص لإرادته هو، وبما يتناسب مع مذهبه الفني، ومع فكره وتوجهاته. وبكلمات أخرى أقول: إن الناقد يحاول أن يقوّل النص ما يشاء هو، تحت ستار استنطاق النص لإجباره على البوح بمعناه الحقيقي؟!. أما النقد الحديث فيحاول أن يحتكم إلى قوانين جمالية عامة، ليكتشف شعرية النص وفنيته وأصالته.
ومما لاشك فيه أن النقد الحديث متقدم على النقد القديم بكل معاني التقدم، وهذا من طبيعة الأمور، وأي ادّعاء مخالف يتناقض مع منطق الصيرورة والتطور. لكن المشكلة تكمن في المواقف المتطرفة التي اتخذتها بعض المدارس النقدية الغربية الحديثة، وجاراها بعض المريدين من النقاد العرب في ذلك. والمتابع للنظريات النقدية الغربية الحديثة، التي ظهرت في القرن الماضي، سيلاحظ كيف أن الذائقة النقدية كانت شديدة التقلّب، تنتقل من قطب إلى آخر بصورة مفاجئة وغير متوقعة، وإن كانت هذه الذائقة تنوس بين النزعة الموضوعية والنزعة الذاتية؛ وعندما تتطرف إحدى النزعتين كانت تنشأ في داخلها النزعة المناقضة، في جدل أغنى الدرس النقدي (الأدبي والفني عموماً) بكثير من المصطلحات والمفاهيم والأفكار، فقد ركزت النزعة الموضوعية على النص بوصفه بنية لغوية مكتفية بذاتها، وليست بحاجة إلى أية إحالة إلى خارجها لتستمد من ثمة الشرعية والمصداقية، بما في ذلك الإحالة إلى منتج النص، أو الإحالة إلى الواقع والسياق التاريخي الذي تخلّق النص في أحشائه (وهذا ما فعله البنيويون). وبالمقابل فإن النزعة الذاتية سعت إلى تجريد النص من أية سلطة، وأعطت هذه السلطة للمتلقي، بوصفه المنتج الحقيقي للمعنى، كما فعل نقاد مابعد البنيوية، ومابعد الحداثة، ولاسيما ما فعله التفكيكيون، حيث نشأ ما عرف بـ(استجابات المتلقي)، أو نظرية التلقي. وبين هاتين النزعتين المتطرفتين (الموضوعية والذاتية) ثمة مواقف نقدية حاولت التوفيق بينهما والاستفادة منهما معاً، كالمناهج الاجتماعية (السوسيولوجية) والتاريخية والنفسية (السيكولوجية) وما يقوم به بعض أساتذة الجامعات المشتغلون بما يعرف بالنقد الأكاديمي. وخير النقد ما ينتجه ناقد واسع الثقافة والاطلاع، هضم المدارس النقدية وامتلكها جميعاً، دون أن يرهن نفسه عند إحداها، الأمر الذي مكّنه من أن يطل على النص الذي يشتغل عليه من آفاق متحررة من الأفكار المسبقة، وأن يقرأه في السياق المناسب، دون تعصب لمدرسة نقدية بعينها.‏

ratebalhallak4@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *