“تاء مبسوطة” احتفت بها.. هيام: أنا مصابة بمرض الإتقان

 

لم يكن احتفاء صالون جمعية تاء مبسوطة الثقافي بالإعلامية المتميزة هيام حموي مؤخراً حدثاً عادياً، وقد صادف يوم الاحتفاء بها ذكرى مرور خمسين عاماً على بدء عملها في الإعلام، وهي التي بدأت مسيرتها فيه من خلال إذاعة دمشق لينطلق صوتها فيما بعد عبر أثير إذاعة مونت كارلو وإذاعة الشرق في باريس، واليوم عبر إذاعة شام fm فكان صوتها وما زال دليل السوريين للمحبة والنقاء، وبيّنت الإعلامية والكاتبة ديانا جبور رئيس مجلس الجمعية في بداية الاحتفاء أن مسيرة حياة هيام حموي الإعلامية كان النجاح عنوانها الدائم والذي لم يتحقق إلا بتعب واجتهاد وإتقان لا حدود له من قبَلها، فكانت خير نموذج للمرأة السورية التي نفخر بوجودها في حياتنا، وأشارت إلى أن حموي إعلامية عاصرت أحداثاً تاريخية كثيرة على مستوى العالم أثّرت على خياراتها وقراراتها في الإذاعات التي عملت بها.

دمشق.. مونت كارلو.. الشرق
لم تفكر حموي في أحلام طفولتها ومراهقتها أن تعمل في الإعلام، فقد كان العمل في السلك الدبلوماسي حلمها، إلا أن ظروفاً كثيرة وقفت دون تحقيق هذا الحلم، لتبدأ وفي مثل هذه الأيام من الربيع، وقبل خمسين عاماً، حياتها المهنية في إذاعة دمشق بتقديم نشرات الأخبار باللغة الفرنسية، فكانت هذه الإذاعة -كما بيّنت حموي في كلامها- خيرَ معلم وأستاذ لها، تعلمت فيها قواعد المهنة الأساسية، وكان ما تعلمته فيها زادها الذي نهلت منه حين عملت في إذاعة مونت كارلو في باريس، المدينة التي توجهت إليها بمنحة لإكمال دراستها، حيث كانت من الأوائل في قسم اللغة الفرنسية بجامعة دمشق، ومن أوائل الأصوات التي افتتحت هذه الإذاعة – القسم العربي- التي بقيت فيها نحو عشرين عاماً من 1971 إلى مطلع عام 1992، وأكدت أنها مدينة لسورية بالكثير لأنها عندما ذهبت إلى باريس لم تكن تدري إلى أي حد كانت تحمل سورية في قلبها بكل تفاصيلها، وهناك امتحنت مدى تعلقها بكل تفصيلة من تفاصيل بلدها، فاكتشفت نفسها وكيف أنها أخذت معها سوريتها إلى هناك، ونوهت إلى أنها خلال تلك الفترة كانت تنجز برامجها من الألف إلى الياء، فكانت المعدّة والمذيعة وهي التي تختار موسيقاها وأغانيها.. ولأنها مصابة بمرض الإتقان في عملها كانت حريصة على أن تتأكد من أية معلومة تقدمها عبر هذه البرامج، فكانت تتوجه منذ الصباح الباكر وقبل برنامجها الصباحي إلى المكتبات للاطّلاع على المجلات العربية في باريس بهدف تقديم معلومات صحيحة، ولم تخفِ حموي أن إدارة أنطون نوفل مدير الأخبار والبرامج في إذاعة مونت كارلو أتاحت لها حرية العمل بالشكل الذي تريده وتفضله، وقد ظلت تعمل على هذا المنوال طيلة إدارة نوفل، حتى العام 1990، وقد تعلمت منه أن الإتقان في العمل والتأكد من صحة أية معلومة هو أساس العمل الإعلامي وليس السبق الإعلامي، وأشارت حموي إلى أن تغيّر سياسة إذاعة مونت كارلو نتيجة تغيّر سياسة فرنسا في ظل النظام العالمي الجديد عرّضها لمضايقات كثيرة جعلتها تترك الإذاعة لتتلقى مباشرة دعوة للعمل في إذاعة الشرق التي عَمِلَتْ فيها لمدة عشر سنوات، ولكن ما حدث في إدارة مونت كارلو عاد وتكرر في إذاعة الشرق مع تغيّر السياسات العامة للدول، بعد أحداث سبتمبر 2001، والتغيير الذي طرأ على الإعلام في عصر الفضائيات والكليبات، فتركت الإذاعة عام 2002 وشعرت حينها أن مشوارها في العمل الإعلامي قد انتهى، فانتقلت إلى الكتابة ومراسَلة مواقع وصحف عديدة، إلى أن قامت السيدة رواد إبراهيم بدعوتها لدمشق عام 2005، وتكريمها في صالتها “عالبال” واعترفت أن هذا التكريم أنعش الشغف الإعلامي في داخلها ثانية لتتلقى دعوة بعد فترة للعمل في إذاعة شام أف أم مع بداية تأسيسها عام 2007 واتفاقها مع مديرها سامر يوسف بشكل تفصيلي على أسس العمل الإذاعي الذي ستقوم به في الإذاعة الوليدة وهي اليوم مديرة البرامج فيها.

يشبه ما كان يكتبه
وأجرت الإعلامية هيام حموي عدداً كبيراً من الحوارات الهامة مع العديد من الشخصيات خلال مسيرتها الإعلامية، وفي لقائها تحدثت عن الشاعر نزار قباني الذي حاورته ذات مرة وأكدت أنه شخصية عظيمة، متصالح مع نفسه، وشخصيته تشبه ما كان يكتبه، وحين وفاة زوجته بلقيس كُلِّفَت حموي بمقابلته في باريس التي دُعي إليها بمناسبة نشر إحدى كبريات الصحف آنذاك القصيدة الشهيرة التي كتبها في رثاء زوجته، فوجدته شخصاً مهموماً وحزيناً للغاية، ولذلك اعتذر عن إجراء الحوار، فلم تجد حموي حينها أن الإلحاح لإجراء الحوار أمرٌ مناسب، وقالت له “إني أحترم حزنك”، وعادت إلى مقر الإذاعة خالية الوفاض، ولحسن الحظ أن الإدارة تفهمت الموضوع. ولكن في العام 1991 عندما توفي الموسيقار محمد عبد الوهاب، عادت هيام واتصلت بالشاعر قباني ليدلي بشهادة عن صديقه الموسيقار الراحل فوافق فورا على تسجيل صوته وعرض حينئذ على حموي إجراء حوار معه في لندن، مقر إقامته، لأنه لم ينسَ أنها “احترمت حزنه” ذات مرة من باريس. واستعداداً للحوار أخذت حموي إجازة لمدة أسبوع من أجل تحضير الأسئلة كمن يُقبل على امتحان، واستغرق الحوار بعدها في لندن نحو أربع ساعات كان بمثابة سيرة ذاتية عنه.
وأشارت كذلك إلى حوارات كثيرة تعتز بها كحواراتها مع الأديب عبد السلام العجيلي الذي وصفته بأنه إنسان لا يشبه إلا السوريين، وكذلك حوارها مع الفنانة سعاد حسني في فترة مرضها، وعبّرت أيضاً عن اعتزازها بأنها حاورت الكثير من الشخصيات المغمورة من طلاب وكتّاب في تجاربهم الأولى، مهاجرين بأوجاعهم وآلامهم، ونوّهت إلى أنها كانت حريصة دوماً على تسليط الضوء على إنجازات المقيمين في باريس ومن كان يأتي إليها من السوريين، وأوضحت أنها كانت تحاور شخصيات من مختلف المستويات ولم تلهث وراء النجوم لتحقق شهرة لحواراتها، بل كانت دوماً تبحث عن الشخصية التي لديها ما تقوله ويستفيد منها المستمع بشكل ممتع.
ولم يخلُ لقاء الإعلامية هيام حموي من حديثها عن عملها في الإعلانات الإذاعية وعن رأيها بأهم المطبات التي تقع فيها إذاعات اليوم، ويأتي في مقدمتها الاعتماد على كوادر لا علاقة لها بمهنة الإعلام التي كغيرها من المهن لها أسسها ومقوماتها ومعاييرها.

كارثة كبرى
وعن وسائل التواصل الاجتماعي قالت حموي بأنها كارثة كبرى كان المطلوب منها أن تسهّل العمل والحياة وإذ بها تسيء للحياة ولمهنة الإعلام، طالبة الحذر في تعاملنا معها، وهي حزينة على الأجيال الجديدة الغارقة بهذه الوسائل التي تحركها أيدٍ شريرة عديدة.
وأشارت هيام حموي في ختام كلامها إلى أنها تعوّدت ألا يراها الناس، وأكدت أنها وخلال مسيرتها الإذاعية التي بلغت خمسين عاماً لم تفكر بالعمل في التلفزيون، وقد أطلّت العام الماضي بشكل استثنائي على جمهور التلفزيون من خلال قناة سورية دراما احتفالا بعودة فعاليات معرض دمشق الدولي بعد انقطاع، وبينت أنها لا تعرف إن كانت قد أدت رسالتها على أكمل وجه ولكنها تدرك جيداً أنها بذلت كل جهدها، وحاولت في كل مرة تتوجه فيها إلى المستمعين بصوتها، وخاصة في ظروف الحرب، أن تركن أحزانها ومخاوفها لتُطَمئِن المستمعين، ولتؤكد من خلال الصوت على أننا موجودون، وأن الحياة مستمرة من خلال الكثير من الأشياء الجميلة الموجودة حولنا، وردّاً على أحد الأسئلة أكدت أنها لا تجمّل الأشياء بل تبحث عن كل ما هو جميل في كل شيء انطلاقاً من قناعتها أن الأشياء غير الجميلة ليس من الضروري إبرازها، خاصة وأن الجمال يحيط بنا من كل النواحي ولا يحتاج إلا لمن يميط اللثام عنه.
أمينة عباس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *