دراساتصحيفة البعث

من سيفوز بالحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين؟

 

ترجمة: علاء العطار عن موقع فالداي 6/4/2018
هناك حرب تجارية جارية بين الولايات المتحدة والصين، وقد بدأت عندما أعلن ترامب أنه سيفرض رسوماً جمركية بنسبة 25٪ على الفولاذ و10٪ على الألمونيوم، كانت تلك الرسوم مفروضة على جميع دول العالم، لكنها لم تكن موجهة بشكل مباشر نحو الصين، رغم أن ترامب أعفى العديد من الدول، لكن يبدو أن الصين ستكون الهدف الرئيسي، وردّت الصين على ذلك بفرض رسوم أكثر اعتدالاً على بعض السلع الأمريكية.
كانت تلك الرسوم موجهة نحو الصناعات في الولايات المتحدة التي ينتمي إليها أعضاء جمهوريون مهمون في الكونغرس، ثم صعّد ترامب الوضع بإعلانه فرض 50 مليار دولار رسوماً على البضائع الصينية، على أمل أن يقنع هذا التهديد الصين بالكف عن المطالبة بالوصول إلى التقنيات الأمريكية المتقدمة مقابل منح الشركات الأمريكية إمكانية الوصول إلى الأسواق الصينية، في المقابل صرحت الصين بأنها ستفرض رسوماً جمركية على ما يعادل 50 مليار دولار من البضائع الأمريكية، ثم هدد ترامب بفرض 50 مليار دولار إضافية رسوماً على الصادرات الصينية.
وعلى خلفية هذه الإجراءات تراجعت سوق الأسهم الأمريكية بعد كل تصريح من هذا القبيل، وأصبح ترامب الآن واقعاً تحت ضغط من الرأسماليين الأمريكيين الكبار لإنهاء هذه الحرب التجارية قبل أن يخسروا المزيد، ومن ناحية أخرى، كان العجز التجاري قضية مركزية في حملة ترامب الرئاسية، وإن لم يستطع الحصول على أي تنازل، فسيبدو ضعيفاً أو منافقاً في عيون أنصاره الأكثر اندفاعاً، وبالطبع، فإن معظم الأمريكيين لا يهتمون بتفاصيل الاتفاقيات التجارية، لذا يستطيع ترامب أن يعرض نتائج المفاوضات المباشرة مع الصين، أو القضايا المرسلة إلى منظمة التجارة العالمية على أنها انتصارات وعلامات على براعته وقوته التفاوضية، وطالما تقدّم فوكس نيوز النتائج بهذا النحو، من المحتمل أن يقبل الناخبون من ترامب تلك النتائج باعتبارها انتصارات لأمريكا.
كما أن هناك ضغوطاً على الحكومة الصينية أيضاً، وتشكل المواد الغذائية الجزء الأساسي من واردات الولايات المتحدة إلى الصين، وإذا رفعت الرسوم الجمركية من التكاليف، أو فرضت قيوداً على العرض، سيشتكي المستهلكون الصينيون، كما أن الواردات الأخرى للولايات المتحدة هي سلع استهلاكية مرغوبة، كأجهزة “الآي فون”، كما أن ارتفاع الأسعار، أو فقدان العرض سيُغضب المستهلكين في الصين، وعلى أية حال، تصدّر الصين إلى الولايات المتحدة أكثر بكثير مما تصدّره الولايات المتحدة إلى الصين، لذا فإن خسارتها أكبر من خسارة الصين إذا فُرضت قيود على كلا الجانبين.
إن الحروب التجارية، شأنها شأن الحروب الحقيقية أو المفاوضات التجارية، لا يمكن كسبها، إلا إذا قاد هذه الجهود زعماء أذكياء ذوو خبرة وانضباط، والولايات المتحدة في وضع غير موات في هذه الحالة، ولم يقدّم ترامب أية معلومات استخبارية أبداً لأي شيء، عدا العلاقات العامة والأداء الإعلامي، ولم يُبد أية علامة على استعداده للتغلب على القيود من خلال الدراسة الصعبة، كل هذا لا يهم كثيراً إذا كان ترامب محاطاً بفريق من المستشارين المستعدين للإذعان له، ولم يكن جورج دبليو بوش أكثر ذكاءً من ترامب، بل كاد أن يكون كسولاً، ولكن كان لديه حسْن تقدير عندما قرر أن يترك العمل الشاق للإدارة إلى أشخاص متفانين أذكياء ومتخصصين، رغم تطرفهم الأيديولوجي، كان أبرزهم ديك تشيني، في المقابل لدى الصين مفاوضون تجاريون، وفريق اقتصادي كامل، ويمتلكون سنوات عديدة من الخبرة ، ويعملون بجد، ويخططون لمدى بعيد.
سيكون الاختلال في قدرات الفرق الأمريكية والصينية مهماً، فقد كانت الرسوم التي فرضها ترامب سيئة التخطيط، وليس هناك ما يشير إلى أنه قد وضع ومساعدوه الخطوات المحتملة التي سيتعين عليهم اتخاذها إذا رفضت الصين التراجع، وبعيداً عن التهديدات التجارية الفورية، هناك حاجة لمعرفة كيفية حماية الاقتصاد الكلي من آثار القيود التجارية، وفي هذا السياق، لدى الصين أفضلية ساحقة، كما أن مستشاري ترامب الاقتصاديين ووزيره المالي أكثر جهلاً من أي أحد ليشغلوا هذه المناصب، على الأقل منذ الكساد الكبير، وإلى جانب مدى براعة المخططين الاقتصاديين، علينا أن ننظر في قدرة الحكومة على تنفيذ إجراءات يمكنها أن تعوض الخسائر التي ستواجهها الشركات مع انخفاض وصولها إلى الأسواق، وتمتلك الصين بنوكاً حكومية، والعديد من الشركات الحكومية التي يمكنها تقديم القروض، وشراء الإنتاج الزائد، وتقديم شروط مواتية للبلدان التي ستتعامل مع الركود في السوق الأمريكية المفقودة.
في المقابل، فإن الشركات الأمريكية تعمل وحدها بشكل رئيسي، ولا توجد بنوك في أمريكا تتبع للدولة، ولم يقدّم الاحتياطي الفيدرالي على الإطلاق قروضاً إلى الشركات الفردية في مقابل عمليات الإنقاذ المتكررة للبنوك والشركات المالية، والبنتاغون هو وكيل المشتريات الحكومي الوحيد للسلع المنتجة بالقطاع الخاص، ولا يمكن تحويل المشتريات إلى المنتجات التي لم تعد الشركات الأمريكية قادرة على بيعها في الصين، وفوق ذلك، تستخدم الشركات الأمريكية، مثلها مثل الشركات في العديد من البلدان، سلاسل القيمة العالمية، وإذا تم قطع الصين عن تلك السلاسل، أو إذا خضعت البضائع التي تمر عبر الصين للرسوم الأمريكية، ستفقد الشركات الأمريكية حصتها في السوق، لأن سلعها ستصبح أكثر تكلفة، أو لأنها ستسلم الأسواق إلى شركات لا تتعامل مع الصين، ما يؤدي بالتالي إلى خسارة في الأرباح، ولا عجب أن يؤدي حتى التلويح بحرب تجارية إلى انخفاضات حادة في أسعار الأسهم الأمريكية.
تنخرط البلدان في حروب حقيقية وحروب تجارية حتى عندما تكون احتمالات هزيمتها، أو الركود المكلف عالية، ولا ينبغي أن نتوقع من ترامب أن يتراجع، لأنه يدرك أن استراتيجيته غير مثمرة، أو من المرجح أن تفشل، إن جهله وتصويره لنفسه على أنه رئيس جريء وعنيف سيعميانه عن النظر بوضوح إلى الواقع، والتقييد الوحيد المتاح على ترامب هو تقييد سياسي، وإذا تمكنت الصين من التحرك بسرعة لإثبات أن الشركات الأمريكية ستدفع ثمناً باهظاً بفعل هذه الحرب التجارية، فإن هذه الشركات ستكون قادرة على الضغط على ترامب، وبالأخص أعضاء الكونغرس من الجمهوريين، ليعكس مساره، وقد يشعر ترامب أنه حر في أن يفعل ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يفعل الكثير من دون الكونغرس، ويحتاج أعضاء الكونغرس دائماً إلى مساهمات من الرأسماليين، الذين قد يتعرضون للضرر بسبب هذه الحرب التجارية، ولا شك أن الصينيين يدركون طريقة سير السياسة والاقتصاد الأمريكيين، وهناك رهان على أن الصين ستخرج ظافرة في هذه الحرب التجارية، والسؤال الوحيد هو ما مقدار الضرر الذي يحتاجه ترامب ليدرك الواقع، وما مدى سرعته في مواجهة هذا الواقع؟.