الرضا… بالرثيث

 

حسن حميد

حيرتي كبيرة وواسعة إلى حدّ التوهان، وعدم القدرة على الإحاطة بالغايات التي ترومها هذه النبرة المتعالية نداءً أن الماضي ولّى واندحر، وأن ما من معين لنا أو سند في الماضي، وعلينا إن أردنا بناء الذات أن ننسى أعلام الماضي لأن عصرهم غير عصرنا، وما نريده هو غير الذي أرادوه، وأن نتخلى عن الكثير من القناعات التي عاشوها لأنها لم تنفع في شيء، وعلينا إن أردنا بناء الأوطان والحياة أن نتخلى عن كل ما كان في الماضي، وأن نفك ارتباطنا به، وأن لا نبقي على شيء، وأن نكون حازمين! رنّة عالية تدور في الأجواء الثقافية، ونبرة فيها الكثير من التشفي، وآراء تجهر بالقطيعة مع كل الماضي، وأن ما من بقعة أرجوانية راهجة في ذلك الماضي كله، وليس لنا إن أردنا الحضور والمكانة إلا أن نعمل على زمننا الراهن من دون الالتفات إلى الماضي وما فيه، وعلينا عدم التلبث عند أي مدونة أو تجربة منسوبة إلى الماضي، لأننا أهل الحاضر!
هذه الروح السَّاخطة المنتشرة في فضاءات أهل الرأي والتعبير في هذه الآونة هي حالة مرضية ليست إلا، وغايتها أن يطير من خلق بلا أجنحة، وأن يغدو الماضي تلالاً من الوهم والنعوت التي لا تليق به، وغايتها أيضاً طي تواريخ مهمة من مدونة المعرفة وهذا ليس صواباً
أنا وغيري نتفهم ما تريده يد الاصطفاء، وما تبصره العيون اليواقظ، وما تؤيده العقول النابهة، لكن أن نجعل من الماضي كله صرّةً واحدة ونرميها في الوادي أو البحر، فهذا أمر لم تفعله أمّة من الأمم، ولم يُقدم عليه شعب من الشعوب تحت أي مسمّى أو مسوغ، لأن في التعميم إغفال للمشرق والمضيء أو تظهير للمعتم والخامد!
أقول هذا وأنا أسمع آراء محوّمة تقول ما فائدة أن نقرأ ابن خلدون اليوم وعصره غير عصرنا، ونظراته باتت قاصرة، وحساباته ليست دقيقة، وغاياته خاصة! وما الفائدة إن عاينا أساليب العمارة القديمة، والحال العمرانية الراهنة تقدمت إلى حد أن كل ما كان في الماضي لا يساوي إشراقة من إشراقات عمارة اليوم، ولماذا نقرأ أشعار القدامى، وماذا فيها غير أغراض الشعر الموقوفة على المديح والغزل والهجاء والرثاء.. وماذا تعني قصيدة مديح لأمير أو قائد في الزمن الذي مضى، بل ما الذي تعنيه تجربة حب مثل تجربة ديك الجن ووردته، أو قيس وليلاه، أو كُثير وعزته، وماذا نفعل بمئة ألف مفردة في اللغة تدور حول الإبل، وما هي أهمية معلقات الشعر العربي السبع أو العشر، وماذا فيها! ويضيفون: إنها تعبيرات مشدودة إلى الماضي، والماضي انتهى، لا دور له الآن ولا قيمة! ويتساءلون: لا بل ما هي أهمية تجارب أدباء ومفكرين مثل د. طه حسين، أو د. سهير القلماوي، أو العقاد، أو نازك الملائكة، والسياب، أو حتى نجيب محفوظ، ويتجرأ بعض القائلين على القول: إنهم سعداء لأنهم لم يتورطوا في قراءة هؤلاء، ويقولون أكثر، تُرى هل من أهمية لجماعات أدبية مثل: جماعة الديوان، وأبوللو، ومجلة شعر، وإن كانت من أهمية، فأين تكمن؟!
بلى، هذه الرَّنة، واللهجة، والنبرة.. حالة مرضية هدفها طي جهود وتشوفات ورؤى وأحلام أهل المعرفة الذين ساهروا الإبداع وكتبوه وحبّروه ونقشوه، لأن من يتبنى هذه الرنة واللهجة والنبرة… كائنات معروفة إمكاناتها، وكذلك محدودية إبداعها، وقصر نظرها، وزبد نرجسيتها التي تعوم فوق أغلاط اللغة الفاقعة، وأغلاط السرد والشعر، وضعف الروح الفني، والرضا بأزرار الإعجاب الالكترونية نقاداَ لما تكتبه من رثيث الكلام ورخوه.. في آن!

Hasanhamid55@yahoo.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى