دراساتصحيفة البعث

الحرب الباردة الجديدة تتحوّل تدريجياً إلى حربٍ مفتوحة

 

ميشيل رايمبو/ عن موقع les-crises.fr
لتتوقّف هذه الحرب الدنيئة!
تدور رحى حربٍ ضروس، وحشية، قاتلة و مدمرة في سورية منذ شهر آذار 2011. تحولت هذه الحرب إلى حرب كونية بفضل الدعم الذي أتى من 120 بلداً منضوياً تحت جناح الإمبراطورية الأطلسية، والخشية هي أن تتحول إلى صراع عالمي بالمعنى الكامل والتامّ للكلمة.
الكثيرون من بين أشدّ المتفائلين لم يعودوا يتساءلون إن كانت حرب الثلاثة (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا) سوف تقع أم لا، بل إن كانت ستشتعل غداً أو بعد غد. من الجميل رفض منظور هذه الحرب لأن العقل لا يقبلها، الوقائع هنا تتحدث. من الواضح أن الحرب الباردة الجديدة التي شهدنا ظهورها منذ عقد من السنين بين الغرب وأتباعه من جهة، وروسيا وحلفائها من جهة ثانية، تتحوّل رويداً رويداً إلى حرب مفتوحة. وإذا كان العالم العربي- الإسلامي هو المسرح المفضل والرهان الجيوسياسي لهذه المواجهة الشاملة بين الإمبراطورية الأطلسية المتهاوية وأوراسيا المنبعثة أو الصاعدة، فإن سورية تعتبر مركز الزلازل، وذلك لعدة أسباب، جيوسياسية واستراتيجية على وجه الخصوص.
إن “النخب”، في “ديمقراطياتنا” الغربية التي تصف نفسها بالعظيمة، والتي قامت بإخضاع الناس لعملية غسلٍ للأدمغة لا سابق لها، تتظاهر بأنها لا تزال تصدق الرواية الكاذبة، اللاأخلاقية والحمقاء، التي يتمّ ضخها منذ سبع سنوات في العقول التي أصابها الخرف بسبب “الدفق” الإعلامي والجامعي والسياسي. من المدهش أن تلك العقول الممتلئة بالغرور والزهو تصدق ذلك: لأنه أمر ضار بسلامتهم العقلية. سنتجاوز الظنون، ونحفظ في الذاكرة أنهم عثروا على أموالٍ لتجارة تغدق عليهم في عملية النصب الفكرية الهائلة هذه وأنهم نجحوا في جعل تلك الخدعة تعيش في أوساطنا نحن الذين ندّعي أننا من أتباع ديكارت، لأنها أثارت القليل جداً من ردود أفعالنا… حتى الآن!
لو كان لدى الرأي العام ذاكرةً جماعية، فإنه سوف يتذكّر مصير العراق، الصومال، ليبيا… وربما يوغسلافيا السابقة، بل حتى اليمن حيث تتوالى المجازر والدمار بقيادة الصديق الاستراتيجي الشاب محمد بن سلمان، الذي حظي بعناق طويل من قبل وزير خارجيتنا حين ترجّل من الطائرة كالمسيح المخلّص. سوف يسترجع مشهد كولن باول يلوّح بعبوات صغيرة ادّعى أن فيها مواد سامة ومواد كيماوية من أجل تبرير غزو العراق وتفكيكه. لم يكن خطأه: لقد تم تضليله من قبل “استخباراته”، كما قال بكلّ تأثّر. لكن الرأي العام “المتحضّر” (والذي يطلق عليه باحتقار اسم  “الشارع” حين يجري الحديث عن الرأي العام “العربي”) خاضع للتخدير الناجم عن سيل من التضليل والكذب الإعلامي، وبليد بسبب البرامج الحوارية التي يتم فرضها عليه حول موضوعات المجتمع، وهي مواضيع تكون دوماً هزلية أو هامشية. موضوع الحرب أو السلام؟ تبّاً. أما بالنسبة لممثّلي الشعب المنتخبين، فيجري تجاهلهم بشكل كبير: ما الفائدة منهم؟
يجرؤ ماكرون، الذي تخالجه فكرة المشاركة في الضربات ضد سورية، وضد “نظام بشار الأسد” مثلما خالجت سلفه هولاند، والذي يحتفظ بأفكاره المعقدة ليتشارك بها مع صديقه ترامب، العقل المعروف جيداً بنفاذ بصيرته، على نعت هذا الهجوم الجديد غير الشرعي والعنجهي والساقط بأنه “واجب أخلاقي”. ترى هل سيتوجب علينا الاعتياد على رؤية قادتنا في الليالي الظلماء يتلوّون على كراسيهم، إصبعهم على الزر، بخضوع، منتظرين الضوء الأخضر من مجنون البنتاغون أو البيت الأبيض من أجل إطلاق صواريخهم القاتلة على سورية التي لم تعتدي عليهم أبداً؟ أية كوميديا كارثية هذه! كما لو أن 400 ألف قتيل، 13 أو 14 مليون ما بين لاجئ ومنفي ونازح، بلد مدمر، لا تكفي لإحياء الحسّ الأخلاقي لدى هذه الضمائر الرفيعة. بعد سبع سنوات من الأكاذيب الوقحة، من التدمير الممنهج، من الموبقات التي لا تعدّ، هل يمكن لنا حقاً القول إن “احترام الآخر” إحدى “قيم الغرب”؟
من خلال مشاهدة الجلسات المخصصة لسورية وسماع المجادلات التي تضفي عليها المتعة، يمكننا القول أن الصورة –  المؤسفة – لمجلس الأمن تشهد على الانهيار الشامل للنظام العالمي. وداعاً للآمال العريضة التي كنا نعوّل عليها حول قدرات الأمم المتحدة وهيئتها العليا الخاصة بالسلم والأمن في فرض نظام سلمي. إن المبادئ التي تأسّس عليها القانون الدولي، كما نصّ عليها الميثاق التأسيسيّ في سان فرانسيسكو، لم تعد موضع احترام ولا قبول كمرجع لمجموع الدول ذات التمثيل في الجمعية العامّة، وبعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن تنتهك هذه المبادئ دون أن تخفي ذلك، أو تتجاهله. إن الدول الثلاث الغربية، التي تتجرّأ بدون عقدة على اعتبار نفسها تمثّل “المجتمع الدولي، وهي لا تشكّل سوى 7 إلى 8% من مجموع سكان العالم، تشكّل في الواقع الفصيل القتالي لحزب الحرب والفوضى، بينما يمثّل خصومها – روسيا، الصين، إيران، سورية، إلخ…- بدون إبهام معسكر الشرعية والقانون.
بعد القانون، فإن الديبلوماسية في خطر. يجب تجريم فقدان الأعراف والتقاليد، والممارسات، والمعايير واللغة الديبلوماسية، مثلما يجب تجريم الشقاق بين الغرب والشرق بل وأكثر. كيف يمكن تبرير المشهد المخزي لممثلي الدول الغربية يستعملون التهديد والشتائم والأكاذيب والعبارات الشاذّة تحت قبّة مجلس الأمن الذي تحوّل إلى حلبة للمسعورين والمزوّرين؟ بماذا يمكن نعت الشخصية الفظة التي انتخبتها أميركا العميقة والتي تحظى بدعم دولتها العميقة ما إن تقوم بالقصف؟ الرجل الفيل في مخزن للخزف، إنه يجسد أكثر من جميع سابقيه النظام الذي تحدّث عنه منذ أكثر من نصف قرن نيكسون وكيسنجر في نظرية الرجل المجنون، والتي تتلخّص بأنه: يجب على أميركا أن يكون من بين قادتها رجال مجانين حمقى تثير طريقة عملهم الارتجالية الرعب في قلوب أعدائها. ترامب يغرّد بيننا.
إن فرنسا ليست أفضل حالاً. فهي جزء من الدول التي “تدّعي قول الحقّ” وتنتهكه في أول فرصة، كما أقرّ بذلك رئيسها بشكل موارب في شهر كانون الأول الماضي في مقابلته مع قناة فرنسا الثانية. وها هي تنضمّ إلى النظام الترامبي المجرم بإعلانها أنها ستقوم بضرب سورية، بقرارٍ أمميّ أم بدونه. ألا تخشى فرنسا أن تفقد مقعدها الدائم الذي يطمح إليه أصدقاؤها الكبار مثل ألمانيا، وتفقد وضعها القانوني “المحظوظ” بإظهار استعدادها لقصف دولةٍ عضو في الأمم المتحدة دون تفويض، بعد أن ساهمت في دمارها ومحاولة الإطاحة برئيسها الشرعيّ؟
ألا تقوم فرنسا بقطع الغصن الذي تجلس عليه بكل عظمة، فرنسا هذه التي كانت في السابق تعتبر الميثاق الدولي كتاباً مقدساً، والتي كانت تقيم ديبلوماسيتها استناداً إلى القانون الدولي، والتي بدأت فيما بعد بخرق هذا الميثاق والقانون ومبادئه الرئيسية: المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخّل، وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وحقّ الدول في اختيار نظامها السياسيّ دون تدخّل أجنبيّ؟ فرنسا هذه التي كانت كلمتها مسموعة، والتي كان يقال عنها أنها “على حقّ حتى لو كانت تبدو ظالمة”.
لنعد إلى الأمور الجوهرية. بالرغم من العبارة التي أضفيت عليها القداسة، في الغرب وفي فرنسا، والتي باتت تستخدم كسترةٍ واقية من الرصاص من قبل حسني النوايا، لنتذكر أن بشار الأسد، الرئيس الشرعي لبلد في حالة حرب، والذي لولاه لأصبحت سورية مجرد تذكار، يقوم بواجبه فقط.
إن قادتنا المغرورين الذين لم يكفّوا عن اللعب بالنار والمسؤولين عن إشعالها، لم تتحرك مشاعرهم من قبل، واثقين من أنهم على صواب ومن قدرتهم على التعامل مع الأحداث المشابهة بالكلمات المنمقة. يعتقد هؤلاء المروّجون للحروب الذين يعشقون الإنذارات أنهم بمجرد أن يعطو الأوامر فسوف يسير قطيع الرجال الشجعان، خطوة واحدة، مع الطبول والأبواق. على فرنسا السفلى أن تطيع دون اعتراض فرنسا العليا، هكذا يعتقدون. كلا! إنهم مخطئون. إن فرنسا من أصحاب المصلحة في العدوان الجديد الذي يجري التحضير له. وإذا انطلق هذا العدوان لسوء الحظ الكبير، فليس هنالك من أحد يعلم بتبعاته. سوف يكون هنالك ردود مقابلة ولن نكون في منأىً عنها. حينها لن يكون لعبارة “لماذا نحن” ؟ أو عبارة “لم نكن نعلم” أي جدوى.
دعونا نستيقظ لأن الوقت تأخر.

< ميشيل رايمبو، سفير فرنسي سابق