الإمارات تبسط نفوذها على المواني من الخليج إلى القرن الأفريقي

 

أندرو برينان – آسيا تايمز

تعد الإمارات العربية المتحدة نظاماً ثيوقراطياً مزدهراً صغيراً بطموحات إقليمية، وقد أسست موطئ قدم عسكري لها شمال الصومال، بعد أن أنشأت موانئ تجارية، وأقامت شبكة من القواعد والحلفاء المسلحين في اليمن والصومال.
وتروج الإمارات لنفسها كبلد مسلم مستقر ومنفتح ومتسامح إلى حد ما، لكن بنفس القدر، يبشر الإعلام الإماراتي بالأفعال البطولية لقيادته في اليمن، ولا يمكن للمحتل أو المتسبب في مشاكل أن يدعي السماحة، حيث إن عمل الإماراتيين في اليمن لا يتعلق بفعل الخير، لكن ببناء إمبراطورية.
وفي الواقع الأمر، تنسج الإمارات عقداً من اللؤلؤ من الخليج إلى القرن الأفريقي ومن البر الرئيسي اليمني الذي مزقته الحرب إلى دولة الصومال الفاشلة، حيث تتدخل أبو ظبي تحت ذريعة تحقيق الأمن ضد المتشددين.
وفي اليمن، ترعى الإمارات مجموعة الحراك الجنوبي الانفصالية، التي توحدت الآن تحت اسم “المجلس الانتقالي الجنوبي” ونأت بنفسها عن حكومة “هادي”.
كما توفر المصالح المتوازية بين ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” وولي عهد الإمارات الأمير “محمد بن زايد” في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، للإمارات فرصة لإعادة الدخول إلى اليمن المستقطب والمجزأ.

“موانئ دبي”
عند ذكر الأهداف الأيديولوجية والإمبريالية في اليمن، لا يمكن إغفال أن شركة موانئ دبي العالمية المملوكة للدولة فقدت استثماراتها الكبيرة في الموانئ اليمنية، وكذا مناجم الذهب في جنوب اليمن وخطوط الأنابيب، عندما استولت حكومة “هادي” التي ترعاها السعودية على السلطة.
وقد بذلت أبو ظبي جهوداً متضافرة من أجل تقسيم اليمن، من خلال دعم الحركات الانفصالية والميليشيات المحلية الموالية في جنوب وشرق اليمن، من عدن إلى محافظة حضرموت، وينتشر جيشها الخاص في موانئ محددة أو “لآلئ” محددة، مثل ميناء “المخا” على البحر الأحمر إلى “المكلا” في الشرق، التي استولت عليها القوات اليمنية الجنوبية المدربة من الإمارات من يد “القاعدة” وتستضيف تلك الموانئ طائرات هليكوبتر إماراتية، ومراكز تدريب واحتجاز، بالإضافة إلى مجموعة صغيرة من القوات الخاصة الأمريكية.
وفي أفريقيا، ما زال العمل الإماراتي الأكثر دهاء مستمراً، وقد ساعدت الغارات التي قام بها قراصنة صوماليون على طرق التجارة على طول القرن الأفريقي في جذب الإمارات، التي تعد موطناً لأكثر موانئ الشرق الأوسط ازدحاماً، إلى السياسة المتشابكة في الصومال، وانتهجت الإمارات دبلوماسية استغلالية ومثيرة للانقسام، من خلال تعميق العلاقات مع المقاطعات الانفصالية غير المعترف بها في أرض الصومال وأرض النبط من خلال قيام الشركات الإماراتية المملوكة للدولة في دبي بتوقيع صفقات مع كل من الحكومتين عامي 2016 و2017.
تقوم شركة موانئ دبي العالمية على بناء مشروع تجديد مثير للجدل بقيمة 422 مليون دولار لميناء بربرة الذي يعد مقراً للجنود الإماراتيين ويستضيف قاعدة الإمارات العسكرية في أرض الصومال، وقد أعلنت أرض الصومال، وهي دولة غير معترف بها في الصومال، أنها وافقت في عقد ثلاثي مع الإمارات وإثيوبيا على تنفيذ هذا المشروع في عمل أثار سخط الحكومة الصومالية المركزية في “مقديشو”.
ما يعني أن الميناء سيكون منطقة تجارة حرة، ما يجعله مركزاً لأنشطة دولة الإمارات في خليج عدن، كما يعزز الوجود العسكري الإماراتي في ميناء عصب في “إريتريا”، الذي يستخدم بالفعل لدعم الأنشطة العسكرية في اليمن، ويتم استخدام كل هذه الموانئ لتغذية طموحات الإمارات في الهيمنة الإقليمية.
مع ذلك، في آذار الماضي أبطل 168 مشرعاً صومالياً الصفقة، وحظروا موانئ دبي العالمية من الصومال، واعتبروا الاتفاق “لاغياً وباطلاً” لأن حكومة الصومال لم تمنح موافقتها، لكن لا تزال الإمارات موجودة في “بربرة” بحكم الأمر الواقع.
كما خسرت أبو ظبي أيضاً معركة لإدارة محطة حاويات “دوراليه” في جيبوتي في شباط الماضي بعد اتهامات من حكومة جيبوتي بأن شركة “موانئ دبي العالمية” رشت المسؤولين لتمديد مدة اتفاقية الاحتكار إلى 50 عاماً.
لقد شهد التدخل الإماراتي في الصومال المستقطب والمنقسم تعزيز البنية التحتية التي تخدم الأهداف الإماراتية، مثل الطريق السريع إلى إثيوبيا والمطار الذي يجري بناؤه في أرض الصومال، واكتسبت أبو ظبي عداء مقديشو مجدداً بعد أن أنهت مهمة لتدريب الجنود الصوماليين الشهر الماضي، بعد حديث حول استيلاء جنود صوماليين على 9.6 مليون دولار من طائرة كانت تحمل على متنها 47 ضابطاً إماراتياً هبطت في مطار “مقديشو” الدولي.
وتعتقد مقديشو أن الأموال كانت ذاهبة لشراء النفوذ داخل الصومال، ما تسبب في المزيد من الغضب أن الإمارات تعاقدت مع 10 آلاف جندي أوغندي للحرب في اليمن، تم إرسال 2000 منهم إلى الصومال.
وقال رئيس منطقة “بونتلاند” المتمتعة بحكم شبه ذاتي، “عبد الولي محمد علي”، إن موظفي الإمارات يدربون القوات المحلية على عمليات مكافحة القرصنة وكذلك مواجهة الجماعات الإرهابية، لكن يبقى السؤال هل تشاورت الإمارات مع مقديشو قبل القيام بذلك؟.
الجوهرة “سقطرة”
تعزز أبو ظبي نفوذها في القرن الأفريقي وخليج عدن، لتوسيع وجودها البحري باستخدام ميناء “عصب” في إريتريا و”المكلا” في اليمن، بالإضافة إلى جيبوتي وميناء “بربرة” في أرض الصومال و”بوصاصو” في بونتلاند، جنباً إلى جنب مع “بورتسودان”، وتمتد كل هذه الموانئ من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي، في محاولة لبناء “سلسلة من اللآلئ” لامبراطورية إماراتية تجارية وتكنولوجية لمعاداة إيران، والجوهرة في هذه السلسلة هي جزيرة “سقطرة”.
ويبدو أن دولة الإمارات قد استولت على الملاذ الأهم على طول الطريق بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي، وقد تم الإعلان عن تأجير الجزيرة اليمنية “سقطرة”، وهي جنة أشجار نادرة تابعة لليونسكو، لمدة 99 عاماً عام 2016 للإمارات من الرئيس اليمني السابق “عبد ربه منصور هادي”، الذي سعى للحصول على دعم أبو ظبي وسط الصراع الذي كانت يعصف بالدولة الفقيرة.
لكن يبدو أن “هادي” كان قصير النظر ويائساً، حيث احتلت الإمارات جزيرة “سقطرة”، على الرغم من وجود الحكومة اليمنية هناك، ودون إبلاغ حكومة “هادي” وأدى ذلك إلى اجتماع بين ممثلي السعودية والإمارات و”هادي” في مدينة سقطرة، بعد أن اتهم “هادي”، المقيم في السعودية، المسؤولين في الإمارات بالتصرف كالمحتلين في اليمن.
من منظور المؤيدين لدولة الإمارات، تقوم الدولة بعمل أمني مهم في “سقطرة” لمساعدة سكان الجزيرة الذين أهملتهم حكومة اليمن الفاشلة. وقد يكون خطاب الإهمال والتهميش مقنعاً، لكن الحجة الأمنية ليست كذلك، ولا سيما بالنظر إلى أن الجزيرة قد نجت من العنف الذي عصف بالبر الرئيسي لليمن.
وتلوم وزارة الخارجية الإماراتية جماعة “الإخوان المسلمين” على إثارة المشاعر المعادية للإمارات في “سقطرة”، لكن تحقيقات صحفية بريطانية أشارت إلى احتجاجات من سكان “سقطرة” على ضم الجزيرة.
وتجدر الإشارة إلى المكاسب المالية المربحة وراء السيطرة على هذه الجزر، فالمياه الغنية بالأسماك يمكن استغلالها من قبل الإمارات، ويمكن نقل حصيلة الصيد إلى أسواق الإمارات، إضافة إلى ذلك، أضافت وجهة “سقطرة” لدى مشغلي السياحة في الإمارات، من خلال الرحلات التجارية الأسبوعية والعطلات الجماعية، التي تضيف إلى الاقتصاد المحلي الإماراتي.
ولا يمكن تجاهل الأهمية الاستراتيجية لسقطرة، سواء في خليج عدن ومضيق باب المندب، أو فيما وراءه إلى قناة السويس المصرية، وتتمتع الجزيرة بمدرج يبلغ طوله 3 آلاف متر، وهو مثالي للمقاتلات والطائرات العسكرية الكبيرة اللازمة لقيادة الهيمنة الحركية على الممرات الملاحية للطاقة، والساحل الجنوبي لمنطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

“جبل علي”
علاوة على ذلك، يقع المرفق البحري الرئيسي لدولة الإمارات في جبل علي في دبي داخل الخليج، وهو خاضع بشدة لمضيق “هرمز”، الذي تسيطر عليه سلطنة عمان وإيران. ولتجاوز هذا الخطر، فإن “استئجار” الإمارات أو “احتلالها” لـ “سقطرة” يسمح لها بإنشاء قاعدة بحرية محورية من شأنها زيادة وجودها البحري وقدراتها الإقليمية، حيث تكمل هذه القاعدة البحرية أيضاً ميناءها في “خورفكان” على خليج عمان، وموانئها في “بربرة” في أرض الصومال، أو “بوصاصو” في بونتلاند، أو “عصب” في إريتريا، و”المكلا” إذا تم تقسيم اليمن.
ما يعني أن تقسيم اليمن سوف يمنح الساحل الجنوبي بالكامل إلى دولة الإمارات، التي رعت ممثلي الجنوب مثل “عيدروس الزبيدي”، و”هاني بن بريك” في إنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي، وبالمثل، سيسمح إنشاء مثل هذه الموانئ لدولة الإمارات بحماية موانئها التجارية ضد المنافسة من باكستان وإيران في المحيط الهندي.
لكن مع انتزاع الانفصاليين المدعومين من الإمارات الكثير من “عدن” من الفصائل الحكومية الأخرى الموالية لهادي، ومن ثم القوات الموالية للسعودية في كانون الثاني، طغى وكلاء الإمارات في اليمن نوعاً ما على الأجندة السعودية هناك، وعلى الرغم من التقارب بين “بن سلمان” و”بن زايد”، وما يعنيه هذا من إمكانية تنسيق الأحداث على الأرض بشكل كامل، تبقى هناك عقبة في الطريق قد تعطل هذا المسار.
ففي حين أن السعوديين كانوا يقاتلون الحوثيين في المقام الأول لمنع حدوث تغيير أيديولوجي في اليمن كانت أبو ظبي تشجع انقسام اليمن وإنشاء “عقد من اللآلئ” بالحصول على موانئ محورية عبر الاحتلال والاستغلال وممارسة النفوذ، وقد يشعل هذا الطموح العداء مع “بن سلمان” تماماً كما أثار غضب قطر وتركيا، والتي من قبيل الصدفة، تتنافس مع أبو ظبي من أجل علاقات جيدة مع الصومال والسودان.
ومثلما عمل الثلاثي معاً (السعودية وقطر والإمارات) حتى تباينت المصالح السعودية والقطرية فتم استبعاد قطر، قد يكون للمنافسة الكبيرة بين الإمارات والسعودية أثر مماثل، وتشعر الرياض بحساسية تجاه تنوع الطموحات والمكاسب الإماراتية، في حين ينفق السعوديون الدم والثروات في محاربة الحوثيين، ويتحملون تبعات السمعة السيئة بقتل اليمنيين الأبرياء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى