الصفحة الاخيرةصحيفة البعث

أسرارنا

سلوى عباس

“السر إنسان آخر يعيش معنا، مزهرية حلوة وناعمة، إذا أمسكناها تنكسر، وتنكسر الحكاية”. هذا ما قالته الحكاية، لكن ماذا عن سرنا نحن؟ هل نعيش معه أم يعيش معنا؟ هل ندركه أم أنه تلك الغرفة المغلقة التي نخاف طرق بابها خوفاً من مواجهة أنفسنا؟!

لكل منا سره الجميل أو الحزين، يرافقنا كظلنا، مهما حاولنا الانفلات من طيفه نرى عبيره مكتنفاً أرواحنا وذاكرتنا، بل إنه العمر الذي ينصهر إلى دقائق، حيث في لحظة مكاشفة معه لازمن ولا شموس تغرب ولاشيء يعُدّ علينا نبضاتنا، ولا ساعات تقيس لنا يومنا، هكذا نبدو معه، أما السر الذي يسكنني فهو الحلم الذي أبدو وكأنني خلقت من سنا ضوئه فلا تقاربني الظلال، معه أبدو وكأني تشكلت من ماء مقطر جمع في زجاج، كسماء ربيعية بعد مطر، يؤججني بالنقاء والسريرة، ويسلمني سدرة الرضا والجنون، غيّر من ملامحي الكثير وأنبت فيّ حلو الكلام، أرخى على جفني طول السهر وأشعل في قلبي بيدر الأحلام، ودفع بريح شفيف إلى ليالكي البرية وغمسها في رطوبة غمامة.. أيقظ فيّ حساً كنت أظنه قد مضى، أيقظه كما طفل استيقظ متأخراً عن حصته المدرسية الأولى، لكنه أحياناً يباغتني فمرّة يندلع كغدير ماء في غير ما ربيع، وكما التراب يفاجئه المطر الأول للخريف، يحيله إلى كرات دافئة من غضار، فلا هو استحال طيناً ولا بقي ذرات جافة متناثرة من غبار، هو بين حالتين، بين صيف ورغبة بالهطول، بين بوح راعش واستكانة، ينوء بالكلام همساً، وبالإعلان عن حروفه الملونة، فلا يأتي البوح ملوناً، ولا هو صمت، فاجأته لغة من لهب تتراقص حروفها في الاتجاهات، كما خطوه المتقافز بين المد والإدغام، ليس ينتظر، وينتظر كثيراً.. قد يكون متلعثماً هذا النطق بالحالة، ربما لم يجد وقتها لغة توائمه، بدا كعصفور أطبقت عليه سحابة، ويتوه عن عشه.

مرّة قرّرت مواجهة السر أين أنا منه؟ وكم هو متاح لي؟ هل أجرؤ على إعلانه أم أنه قيد السرية؟… فانتابني السؤال حيث لا إجابة، كان كل شيء يسير سريعاً كانهيار سد، كل ما حولي بدا غير مهيأ لدرء عاصفة مرتقبة، وسألت نفسي هل كانت الدنيا لحظتها تدور باعتياد، والوقت هو نفسه الوقت، ألم تلحظ الشمس شيئاً؟ ألم ينمُ الصفصاف هكذا على حين غفلة من النهر؟ حاولت استعادة الحلم البهي من الثواني التي هربت إلى ضوء نافذتي، حاولت أن أطير وراءها إلى الماضي، لكن الصباح أخذني إلى شمسه، وبشرود أجلس إلى فنجان قهوتي أفتش في ذرات الأثير والبن أو أصابعي عن أثر أتبعه إلى حلمي، فلا أجد أجدى من أن آتيه كما هو دون أسرار ولا حكايات لأكون أنا السر والحكاية التي تكتبني الحياة، فكما يقول الفيلسوف أوشو: لا يوجد طريقة للمعرفة، أفضل من أن تكون ذاتك.