هلسنكي نفسها هي المشكلة

هلسنكي نفسها هي المشكلة

 

د. مهدي دخل الله

انشغل الإعلام بالمسألة السورية والإيرانية والأوكرانية في قمة هلسنكي.. وهذه مسائل مهمة بالتأكيد في العلاقات بين القوتين الأعظم.. لكن فنلندا – نفسها – هي الهم الروسي الكبير… وإليكم القصة!..

لا شك في أن القمة أكدت الموت الأخير لنظام القطب الأوحد واشتداد عود النظام ثنائي القطب.. لكنه النظام الذي يختلف عن ثنائي القطب السابق بين الاتحاد السوفييتي والولايات. نقطة الاختلاف هي غياب الحرب الباردة النهائي، إذ إن ترامب وبوتين يتبادلان صفة «الشريك» بلهجة دافئة مع غياب كامل للمواجهة «الإيديولوجية»..

أما الأمر الذي ورثه القطبان عن النمط السابق، فهو مفهوم «التطويق» الجيوسياسي، حيث تصر واشنطن على دفع الناتو الى أقرب نقطة تجاه حدود روسيا، ومازالت روسيا تحاول وقف تقدم «الطوق»، وإيجاد ثغرات فيه للنفاذ الى الغرب الأوروبي والشرق الأوسط.

إحدى أهم نقاط النفاذ الروسي هي إيران التي تصل روسيا براً بالعراق، فسورية، فمياه المتوسط الدافئة، قاطعة بذلك طوقاً بين تركيا العضو في الناتو وأفغانستان الواقعة تحت النفوذ الأمريكي..

من الشمال يطوق الناتو روسيا، بدءاً من أستونيا فلاتفيا، ثم تأتي باتجاه الجنوب ليتوانيا التي يفصلها عن روسيا جمهورية (بيلاروسيا)، بعد ذلك تأتي بولونيا وسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا الأعضاء في الناتو وتفصلهم أوكرانيا عن روسيا، أما البحر الأسود، فيفصل عضوي الناتو بلغاريا وتركيا عن روسيا.

من الواضح هنا أهمية أوكرانيا التي تعتبر روسيا انضمامها المحتمل الى الناتو خطاً أحمر، وهناك مسألة أساسية في العلاقة الجيوسياسية بين روسيا والناتو هي فنلندا في أقصى الشمال، وهي دولة مازالت محايدة وفق خطة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هنا تكمن واحدة من أهم المشاكل بين الطرفين، فواشنطن تحاول منذ سنوات جذب فنلندا إلى حظيرة الناتو، فتكون بذلك ضيّقت على روسيا في بحر الشمال، إضافة إلى حصارها في مضيقي البوسفور والدردنيل جنوب البحر الأسود.

لاشك في أن بوتين حمل «صليبه الكبير» ليواجه «الوحش الامبريالي» محاولاً إنقاذ فنلندا من براثنه، وأعتقد أنه نجح في ذلك حتى الآن، فروسيا لم تعد بلداً يحكمه يلتسن، وإنما القيصر بوتين الذي ورث من كاترين وبطرس إيمانهما الكبير بقوة روسيا وحقوقها في أوروبا، وهي البلد الأوروبي بكل مضامينه الثقافية، فالموسيقا الكلاسيكية الأوروبية لا يمكن تصورها من دون تشايكوفسكي وغيره، والأدب الأوروبي لا يمكن الاستغناء عن منابعه الروسية مع تولوستوي وتشيخوف وبوشكين وباسترناك والعشرات غيرهم، وهكذا يمكنك الحديث عن الفلسفة والفكر السياسي وكل مضارب الثقافة الأخرى.

لذلك لاشك في أن التاريخ والواقع يسندان ظهر بوتين على كرسيه في مواجهة القادم من وراء المحيط.

mahdidakhlala@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

مواضيع متعلقة