تحقيقاتصحيفة البعث

قرى اللجاة.. درع منيع في مواجهة أي اعتداء عبر خاصرة السويداء الشمالية 

اللجاة منطقة بركانية شديدة الوعورة تقع في الريف الشمالي لمحافظة السويداء، وتفصله عن ريف درعا الشمالي الشرقي، تبدأ من غربي مدينة شهبا، وتمتد شمالاً باتجاه دمشق لمسافة 30 كم تقريباً، وغرباً باتجاه درعا بحدود 25 كم، يصعب على من لا يعرفها أن يتخيّل شدة وعورتها، وتباين تضاريسها، ولتقريب الصورة يكفي أن تعلم أنه تصعب عليك رؤية شخص يقف على بعد 10 أمتار منك، وإن أراد الاختباء فلن تستطيع رؤيته ولو كان على بعد متر واحد أحياناً، هكذا يعرف أبناء المنطقة اللجاة التي تشهد استنفاراً كبيراً لمواجهة أي هجوم محتمل.

“البعث” زارت عدداً من قرى اللجاة، والتقت حراسها من لجان شعبية، وبواسل الجيش العربي السوري، عمليات رصد على مدار الساعة لأي تحرك معاد من قبل المجموعات الإرهابية، والتعامل الفوري معه.

تنظيم شعبي

رئيس بلدية خلخلة ليث المغوش يقول: إن سكان القرى قاموا بتنظيم أنفسهم بلجان شعبية تساند الجيش في عملياته العسكرية، خاصة في عمليات الرصد والمتابعة، حيث تم تنظيم مجموعات حراسة ومناوبة ليلية، مؤكداً أن ما حصل في الريف الشرقي لن يتكرر، فمئات المقاتلين على سلاحهم مستعدون لأي طارئ.

قد يكون الحديث عن الواقع الخدمي ثانوياً في مثل هذه الحالات، فهم السكان الوحيد اليوم هو التصدي لأي اعتداء، وتحقيق الأمن والأمان، ولكن الزائر لتلك المنطقة يدرك حالة الفقر التي يعاني منها السكان، فمعظم أراضيهم لا يستطيعون استثمارها، وفرص العمل قليلة لشبابها، وأبواب الاغتراب مقفلة، وكميات الأمطار القليلة أتت على المشاريع الزراعية التي تشكّل الأمل الوحيد للسكان، ومع ذلك يصر أبناء المنطقة على التشبث بأرضهم ومنازلهم، وحماية خاصرة السويداء الشمالية، وتشكيل درع منيع لمطار خلخلة، وطريق دمشق السويداء الحيوي.

نريد سلاحاً

مختار بلدة أم حارتين منير حاطوم تحدث عن اللجاة قائلاً: إنها سميت بهذا الاسم لأنها كانت ملجأ للهاربين والفارين، وقد لعبت دوراً هاماً جداً في فترة الاحتلالين العثماني والفرنسي للمنطقة، فقد كانت الملجأ الآمن للثوار، ومنطلقاً لعملياتهم ضد المحتل، وكانت المقبرة الحقيقية لجيوش إبراهيم باشا حين حاول ملاحقة المقاتلين  فيها، وذلك خلال حملته العسكرية على الجبل عام 1838، حيث مني بخسائر بشرية يصعب على أي جيش تحمّلها، وكانت تلك الخسائر أهم أسباب خروجه من سورية لاحقاً.

وما أشبه اليوم بالأمس من حيث الشكل فقط، فها هي اللجاة تعود ملجأ آمناً، ولكن ليس للثائرين على محتل، وليس لمظلومين هاربين من البطش، وإنما لكائنات بشرية لا تشبه الإنسان بغير الشكل، كائنات كنا نظن خطأ أنها انقرضت منذ عهود، يوجد من تلك الكائنات ما يقارب ثلاثة آلاف ضمن مجموعات وتحت مسميات مختلفة، مهنتها القتل والتنكيل لأهداف يرسمها مالكو أمرها.

وقال حاطوم: إن المصالحات هشة في المنطقة، جعلت بعض المناطق كحوش حماد، وهمان، والمصطبة، مناطق انطلاق لهجمات الإرهابيين، وطالب حاطوم بتزويد الأهالي بالسلاح والمناظير الليلية ليقوموا بواجبهم إلى جانب الجيش العربي السوري في حماية قراهم.

أهداف مكشوفة

المشهد الميداني العسكري واضح هناك بالنسبة للقادة الميدانيين، والإجراءات المتخذة تتناسب مع طبيعة المشهد، قائد ميداني بيّن الإجراءات التي تم اتخاذها لحماية المنطقة كاملة، وإفشال مخططات الإرهابيين فيها، حيث تم التمركز في خطوط أمامية إضافية حتى الوصول إلى مركز تجمعهم، وتالياً سحقهم والقضاء عليهم، فالنصر آت لا محالة، ولا تراجع عن دحر المرتزقة المتآمرين كما قال، واللجاة لن تكون ممراً سهلاً لهم، وأرض سورية لن تكون ملاذاً لأمثالهم، يتابع قوله بفخر واعتزاز وعيناه تنظران إلى الخريطة أمامه شارحاً تقدم وحدات الجيش إلى قلب اللجاة، وتثبيت نقاط في حوش حماد وهمان الحيويتين.

ويشرح القائد الميداني أهداف تلك المجاميع المسلحة والمدرّبة جيداً، وأولها السيطرة على القرى نفسها لما فيها من “غنائم”، وتحقيق نصر يشد إليه أفراد التنظيم، في وقت تتوالى هزائمهم، وثانياً قطع طريق دمشق السويداء لما فيه من ضغط سياسي ومعنوي وعسكري على الدولة والجيش والمحافظة، ومن ثم الاستيلاء على مطار خلخلة الذي تشكّل تلك القرى خط الدفاع الأول عنه، وتحقيق الوصل بالجزء الآخر من التنظيم المتواجد بالبادية، وصولاً إلى قاعدة التنف التي تدير عملياته.

عقدة اللجاة

ناصر سويد، وهو أحد المهتمين بالمنطقة، تحدث عن إيجابيات وسلبيات عقدة اللجاة، حيث توفر لإرهابيي داعش إمكانية تحقيق عنصر المباغتة نظراً لصعوبة اكتشاف تحركاتهم بسبب وعورة المنطقة الشديدة، وتباين التضاريس الكبير فيها، وخاصة ليلاً، وهذا يتطلب رصداً حرارياً جوياً على مدار الساعة، الأمر الذي يصعب تحقيقه، وكذلك صعوبة ملاحقتهم عسكرياً داخل المنطقة، أو ربما استحالة الأمر، وبالتالي فأفضل السبل تجويعهم عن طريق قطع خطوط الإمداد بالمؤونة والطعام والماء.

أما الإيجابيات فهي، حسب سويد، أن الإرهابيين لا يستطيعون القدوم إلا بالسلاح الخفيف فقط، حتى إن الرشاش المتوسط يصعب حمله والتنقل به في هذه المنطقة، وكذلك الاستنفار التام لجميع السكان ليلاً ونهاراً، صغيراً وكبيراً، وكل من هو قادر على حمل السلاح، بغض النظر عن عمره وجنسه، وبالتالي تقليل خطر المباغتة إلى حدوده الدنيا، وتأمين ما أمكن من غزارة نارية لحين وصول المؤازرة والتكاتف والتنسيق التام بين جميع القوى الشعبية المدافعة، والقيادة العسكرية، وخصوصاً قيادة المطار، والوعي بحجم الخطر، والتصرف على هذا الأساس، وسرعة وصول المؤازرة، فالمحافظة كلها عملياً بحالة استنفار.

معنويات عالية

حالة تفاؤل متبادلة بين سكان المنطقة وعناصر وحدات الجيش المرابطة فيها، حالة يرافقها انسجام وتنسيق تام بين اللجان الشعبية والقادة الميدانيين، ما يعكس مدى تلاحم الجيش وأبناء المنطقة، يقول الشيخ شامل، وهو من الفصائل الشعبية إنه يوجد تواصل دائم مع القادة الميدانيين، وتنسيق في عمليات الرصد والمتابعة وملاحقة الأهداف.

ويضيف الصحفي طلال الكفيري، وهو ابن المنطقة، بأن الأحداث التي جرت الأسبوع الماضي لم تزد الأهالي في قرى الريف الشمالي إلا قوة وإصراراً على التصدي لتلك العصابات الحاقدة، فالأهالي هناك يتمتعون بمعنويات عالية جداً، ودائماً مستعدون لصد أي تعد على قرى الريف الشمالي، ولاسيما أن الجيش العربي السوري مرابط على حدود هذه القرى بشكل دائم، والأهالي يقفون معه جنباً إلى جنب لكونه كان ومازال صمام أمان البلد، وكل جرائم الإرهابيين الحاقدة لم ترهب المواطنين، فعيونهم ترنو دائماً وأبداً نحو اللجاة تراقب تحركات هؤلاء المجرمين، ولن يمروا من أرضنا إلا على جثث أصحابها، فإما الشهادة أو النصر.

إرادة وتصميم

كانت الشمس تشرف على الغروب وأخذ استراحتها الليلية، أما هناك حيث يتمركز مقاتلو الجيش، فلا وقت للاستراحة، فالمهمة الموكلة إليهم كبيرة، وهي حماية قطاع هام وواسع في المنطقة، يقول المقاتل نشأت: إن المساحة التي يتحرك فيها هؤلاء الإرهابيون تمتد في عمق اللجاة، وهذه المجموعات المتمركزة في المغر والكهوف تحاول التسلل نحو القرى الآمنة في ريف السويداء الغربي ونقاط الجيش، إلا أن المقاتلين الأبطال المتمركزين في هذه النقاط لهم بالمرصاد، حيث يتابع بواسل الجيش العربي السوري واللجان الشعبية تحركاتهم، وتالياً تكبيدهم خسائر فادحة بالأرواح.

أما المقاتل أحمد فقال: سيتم العمل على تحرير اللجاة من بقايا داعش التي اتخذت من صخور اللجاة ومغرها أوكاراً لها،  وتتم متابعة وملاحقة فلولهم بشكل يومي، مشيراً إلى أن أبطال الجيش العربي السوري مصممون على سحق هؤلاء المرتزقة المعتدين، وتطهير تراب الوطن من دنسهم، علماً أن معنويات بواسل الجيش مرتفعة، وهم لن يتركوا أي شبر من أراضي سورية الحبيبة إلا وسيتم تحريره من المجموعات الإرهابية، فنحن كمقاتلين في الجيش لن نستكين، ولن يغمض لنا جفن حتى نرى راية الوطن ترفرف على كل الأراضي السورية، فعلى الرغم من التضاريس الصعبة على الأرض، إلا أن مقاتلي الجيش العربي السوري يزلزلون الأرض تحت هؤلاء الأوغاد، وضربات الجيش مؤلمة وموجعة، فهذه التضاريس لم تمنع ميامين الجيش العربي السوري من متابعة مسيرتهم القتالية، وتحقيق الانتصار تلو الانتصار، فتراب الوطن غال، والحسم العسكري لا تراجع فيه، فتقدم القوات العسكرية مستمر تحت شعار الشهادة أو النصر.

المقاتل هادي قال: بعد انتشار بؤر إرهابيي تنظيم «داعش» من اللجاة، ومحاولتهم التسلل نحو القرى الآمنة، قامت وحدات من الجيش بالتمركز بعدد من النقاط للقضاء على هذه البؤر الإرهابية، مع العلم أن تحركات هذه المجموعات مرصودة بشكل دائم، وأي تحرك مشبوه يتم التعامل معه من قبل بواسل الجيش العربي السوري، ونحن نقول لأبناء سورية: لم ولن نسمح باستباحة الأراضي السورية من قبل المتآمرين والمتخاذلين، وكل من تسوّل له نفسه الاعتداء على نقاط الجيش وأبناء سورية سيسحق تحت أقدام أبطال الجيش العربي السوري، فنحن هنا لن نترك هذه المنطقة وغيرها حتى تشرق شمس الانتصار.

سور منيع

شكّل انتشار الأخبار الكاذبة أو الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي حالة قلق على أبناء المحافظة التي مازالت تضمد جراح الأربعاء الأسود، ولكن جولة واحدة في المناطق المستهدفة بتلك الدعاية تجعل المرء يدرك أنها محصنة بسياج منيع يصعب اختراقه، فرجالها إلى جانب أبطال الجيش جعلوا من صدورهم سوراً منيعاً في مواجهة أية محاولة اعتداء.

 

رفعت الديك