دراساتصحيفة البعث

هل تسعى الحكومة الألمانية إلى مجابهة عبثية مع روسيا؟

 

د. مازن المغربي

قد يبدو السؤال مستغرباً لأن من غير المنطقي أن تغامر دولة لا تمتلك سلاحاً نووياً بمواجهة دولة نووية تمتلك ترسانة مرعبة من مختلف أنواع الأسلحة، وتتفوق على القوات الألمانية لجهة تعداد الجيش وتسليحه بالعتاد التقليدي. لكن يبدو أن القوانين الداخلية للنظام الرأسمالي تفرض إيقاعها على قادة البلدان الغربية. وفي وقت تقترب فيه بسرعة الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى يبدو أن بعض الساسة لم يستوعبوا دروس تلك المجزرة البشعة التي راح ضحيتها ملايين البشر. فثمة شبه إجماع اليوم بين المؤرخين على أن اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يكن حتميا، بل كان نتيجة تضافر مجموعة من العوامل الذاتية والحسابات الخاطئة حيث ساد الوهم لدى قادة القوى الأوروبية الكبرى المتصارعة بإمكانية شن حرب محدودة وسريعة تنهي حالة الاحتقان القومي التي سادت في تلك الفترة، ليتبين الجميع لاحقا عجزهم عن ضبط انتشار الحرب أو حسمها. لم يكن أحد من قادة جيوش البلدان المتصارعة يمتلك تصورا عن المدى الذي يمكن أن تصل إليه المجابهات، بل إن بريطانيا، وهي طرف رئيسي، إلى جانب كل من فرنسا وروسيا القيصرية، في التحالف المناهض لألمانيا، وجدت نفسها متورطة في حرب لم تستعد لها وفق ما أورده الباحث دافيد فرومكين في مؤلفه المهم “نهاية الدولة العثمانية وتشكيل الشرق الأوسط”.

وطوال أعوام 1914 و1915 و1916، كانت الحرب أوروبية خالصة. لكن مع قيام ثورة شباط في روسيا عام 1917، وصعود نجم الحزب البلشفي تحت قيادة لينين وتروتسكي، والشعبية التي حظي بها برنامج الحزب لجهة إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، صار من الوارد تغير وجهة الصراع الذي بدا، حتى تلك الفترة، متوازنا، حيث أن خروج روسيا من الحرب كان يعني تحرير الجيش الألماني من عبء القتال على جبهتين ومنحه فرصة نقل ملايين الجنود إلى الجبهة الغربية. وكان واضحا أنه تم استنزاف قدرات الأطراف المتناحرة وصار بإمكان الولايات المتحدة لعب دور منقذ أوروبا من خطر الخضوع للهيمنة الألمانية، الأمر الذي رجح كفة أنصار دعم الحلفاء وأفضى إلى دخول الولايات المتحدة الحرب في نيسان 1917، بعد تردد طويل حول اختيار المعسكر الذي ستدعمه واشنطن. فقد كان هناك، ضمن الإدارة في واشنطن، مجموعات ضغط قوية عملت على دفع الولايات المتحدة لخوض الحرب إلى جانب ألمانيا، أو إبقائها على الحياد. وبعد عشرين سنة تكرر الأمر، حيث قررت واشنطن دعم بريطانيا ضد ألمانيا وكانت النتيجة في المرتين تدمير ألمانيا وفرض معاناة مرعبة على شعبها. إذن يبدو، من التجربة التاريخية، أن اعتماد برلين على دعم واشنطن قد يكون قائما على حسابات خاطئة. لكن الحكومة الألمانية تبدو مصرة على عسكرة سياستها الخارجية وهي تقوم بخطوات متتالية تصب كلها في اتجاه استفزاز روسيا حيث نلاحظ ارتفاع مستوى التدخلات الألمانية في كل منطقة تمتلك موسكو فيها حلفاء، وينطبق هذا على سورية حيث تم مؤخرا تداول فكرة مشاركة ألمانيا في توجيه ضربات عسكرية ضد مواقع سورية استراتيجية.

وثمة مؤشر واضح على توجهات الحكومة الألمانية لتعزيز الخيارات العسكرية حيث أقر التحالف البرلماني العريض الحاكم خطة لتحديث الجيش الألماني. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن المفتش العام للجيش الألماني، الجنرال إبيرهارد تزورن، وقع في الثالث من أيلول الجاري مذكرة حول القدرات العسكرية للجيش الاتحادي تتضمن خططا لتحديث قدرات مختلف الأسلحة خلال الخمس عشرة سنة القادمة، ويتضمن هذا رفع مستوى الإنفاق العسكري ليبلغ ستين مليار يورو سنويا ابتداء من العام 2023.

يتحدث الكثيرون عن أوروبا بوصفها القارة العجوز التي أفل نجمها، وينطلق هذا الموقف من تقييم القدرات العسكرية التدميرية التي تمتلكها مختلف الدول الرأسمالية، لكن الأرقام تقول أن الاتحاد الأوروبي كيان سياسي صاعد بقوة، وهو يمتلك شعبا له تاريخ طويل في إنتاج المعرفة والتقنيات تجاوز تعداده، عام 2018، حاجز الخمسمائة مليون نسمة، بعد أن تمكن من تجديد نفسه عبر موجات من ملايين المهاجرين. ويبدو وضع الاتحاد الأوروبي على الصعيد الاقتصادي جيدا حيث شهد الناتج القومي ارتفاعا مستمرا منذ العام 2009 عندما بدأ تعافي الاقتصاد ووصل إجمالي الناتج القومي سنة 2017 إلى 12.3 تريليون يورو، وارتفع عام 2017 إلى 15.33 تريليون يورو، مع الإشارة إلى أن التريليون بالمقياس الأوروبي يعادل مليون مليون، وهذا الرقم يتجاوز نسبة 16% من الناتج العام على مستوى الأرض، متفوقا بذلك حتى على حصة الولايات المتحدة، في حين لا تتجاوز حصة روسيا 3.16%، أما حصة الصين فتجاوزت 18% عام 2017. لكن الاتحاد الأوروبي يفتقد للقوة العسكرية التي تمنحه القدرة على لعب دور أكبر في عملية إعادة تقاسم العالم بين الدول الرأسمالية الكبرى، وهذا أمر واضح في عقول قادة الاتحاد الأوروبي كما نتبين من الخطاب الذي ألقاه رئيس لجنة الاتحاد الأوروبي، رئيس وزراء اللوكسمبورغ سابقا، جان كلود يونكر أمام جلسة برلمان الاتحاد الأوروبي في الثاني عشر من الشهر الجاري. فبعد مقدمة سريعة انتقل يونكر دون مقدمات إلى تذكير النواب بأنه في العام 1913 لم يكن أحد في أوروبا يشكك في إمكانية اندلاع حرب مدمرة، في إشارة مضمرة إلى التماثل مع الوضع الدولي الحالي، وبرر قوله بأن أوروبا هي حارس السلام. بعدها رفع مستوى الخطاب ودعا النواب إلى عدم ترك الآخرين – المقصود الروس – يعيدون تشكيل الوضع في غرب البلقان، لينتقل مباشرة إلى الوضع في إدلب معتبرا أن الأحداث التي شهدتها سورية فرضت ضرورة إعادة النظر بقواعد النظام العالمي الذي قام في أعقاب الحرب العالمية الثانية. كما ركز على ضرورة رفع ميزانية الدفاع بحيث تتمكن اوروبا من الاستقلال بقراراتها لينتقل بعدها للحديث عن أهمية أفريقيا التي اعتبرها مفتاح المستقبل مقترحا إقامة شراكة بين القارتين. كما طالب بدور أوروبي أكبر في تشكيل عالم الغد مع التركيز على ضرورة توحيد شرق وغرب أوروبا. ومن خلال متابعة الصحافة الأوروبية، يلحظ المرء حملة مدروسة لشيطنة كل ما تقوم به روسيا فيما يبدو بمثابة عملية إعداد الرأي العام لاحتمال اندلاع مواجهة معها.

لن ندع الخيال يشطح كثيرا، لكن يجب ألا ننسى أن الطغمة المالية المتحكمة بسياسة الولايات المتحدة لا تبحث عن شركاء بل تكتفي بالأتباع، وفيما يتعلق بالقوة العسكرية تمتلك الولايات المتحدة تفوقا كاملا على كل خصومها، والعامل الوحيد الذي يردعها هو امتلاك كل من روسيا والصين القدرة على تدمير الولايات المتحدة في حال نشوب مواجهة شاملة، وبالتالي من المرجح أن تسعى واشنطن وموسكو وبكين إلى تفادي أي مواجهة مباشرة. لكن منطق إشعال الحروب راسخ في عقيدة قادة واشنطن التي لا تتوقف عند مسألة الخسائر البشرية أو التكاليف المالية لسلسلة الحروب التي خاضتها بشكل متواصل على مدى الخمس والعشرين سنة المنصرمة. وبناء عليه لا تعول واشنطن كثيرا على مواقف أتباعها، وهي جاهزة للتخلي عنهم في أي وقت لأنها بالأصل لا تعتمد عليهم في حساباتها. ويبدو أن تنشيط الاقتصاد عن طريق الحروب المستمرة صار من ثوابت سياسة واشنطن وفق ما ورد في مقال للبروفيسور جيمس باترس نشره موقع غلوبال ريسيرش قبل أيام حول حروب واشنطن الخاسرة خلال ربع القرن الأخير، وجاء فيه أن الولايات المتحدة تمتلك أضخم آلة عسكرية في العالم حيث تصل ميزانيتها العسكرية إلى خمسة أضعاف مجموع الميزانيات العسكرية للدول الستة التي تليها في الترتيب، كما يوجد تحت تصرفها مائة وثمانين قاعدة عسكرية منتشرة في سائر أرجاء العالم ومع ذلك لم تحسم واشنطن نتيجة أي حرب خاضتها في القرن الحادي والعشرين. بمعنى آخر، يمكن القول أن واشنطن تشعل الحرب من أجل الحرب ولجني ثمار تداعياتها المدمرة.

نلاحظ أن القوى الكبرى تتبارى في تعزيز قواها العسكرية، وأن هناك ميلا متصاعدا لعسكرة الاقتصاد والسياسة الخارجية. ويتم هذا في إطار حملات إعلامية مدروسة وخطابات سياسية استفزازية، الأمر الذي يشكل مزيجا خطيرا قابلا للانفجار في أي لحظة. وهنا يجب الإقرار بأن واشنطن تقود اللعبة وفق القواعد التي تناسبها فهي زعيمة العالم الرأسمالي دون منازع، والصراع في واقع الأمر يدور بين أنظمة رأسمالية متنافسة. صحيح أن روسيا تمتلك قوة عسكرية رادعة لكنها لا تمثل منافسا اقتصاديا بالنسبة للولايات المتحدة، أما الصين فهي عملاق اقتصادي يمتلك القدرة العسكرية على ردع أي معتد. ونحن تعلمنا من التجربة التاريخية أن واشنطن لا تدخل في حرب ضد طرف قادر على ردعها، وهي تنتظر عادة إنهاك القوى المنافسة واستنزافها في صراعات جانبية قبل أن تتدخل لحسم الوضع.

لا أحد يتمنى وقوع صدام بين ألمانيا وروسيا لكن هذا لا يكفي، ولابد من العمل على تشكيل حركة جماهيرية مناهضة لكل أشكال الحروب التي لا تفيد سوى الفئات العليا المتحكمة بثروات العالم، ويندرج في هذا الاتجاه الدعوة لتغيير مسار السياسة الخارجية الألمانية التي صارت تتميز بالعدوانية، كما هو واضح من مواقف الحكومة الألمانية في سورية وفي بلدان القفقاس وفي البلقان. إن اندلاع مواجهة بين موسكو وبرلين يعني تدمير أوروبا، ومن المؤكد أن إعادة إعمار أوروبا تمثل جائزة يسيل لها لعاب مجموعات الضغط غير المنتخبة التي تتحكم بالقرار في عاصمة النظام الرأسمالي العالمي.