ترجمة المثالية السياسية إلى واقعية صدامية

باسل الشيخ محمد

خرجت عبارة “النظام العالمي الجديد” إلى العلن لأول مرة ككتاب للمؤلف الانكليزي الشهير هربرت جورج ويلز نشر عام 1939، لم يكن ويلز كاتباً سياسياً في المقام الأول، بل كان كاتب روايات خيال علمي أشهرها “الرجل الخفي”، و”آلة الزمن”، اللافت للنظر أن كتابه بشّر الإنسانية فيه بنظام سياسي اجتماعي قائم على العلم يأخذ من موروثي اليمين واليسار معاً بما يجعل الحياة على الأرض سعيدة ولطيفة، اندلعت الحرب العالمية الثانية في العام نفسه لتجعل من كتابه هذا– إلى حد ما- رواية خيال علمي من نوع مشوب “بالسياسية”.

كتاب ويلز الثاني “العقل في نهاية مساره” جاء عكس الأول تماماً، إذ نادى بأن عصر الإنسان قد ولى إلى غير رجعة، وأن على هذا الكائن “أي الإنسان” أن يتطور، فهو لم يعد جديراً بالحياة، نشر ويلز كتابه هذا في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945.

إلا أن النص الأكثر مثالية وطوباوية كان المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، والذي ينتقل بالمطلع عليه من “حفظ السلم والأمن الدوليين” إلى “إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في تحقيق بين الشعوب”، ثم “تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية…”،  كان هذا النص -الذي يسر من يقرؤه- على موعد مع براغماتية إحدى الدول الخمس، أعني الولايات المتحدة.

من أمثلة ذلك نقل الولايات المتحدة لمفهوم الحق في الدفاع عن النفس إلى حق الدفاع الوقائي أو الاستباقي عبر تفسيرات واسعة لمبدأ الدفاع عن النفس، انتهى الأمر بإنشاء تحالف دولي بناء على القرار رقم 678 تطبيقاً لنص المادة 51
(نطاق الدفاع الشرعي الجماعي بموجب الفصل السابع) الذي خرج في تطبيقه عن إطار الأمم المتحدة، تم ذلك عبر تفسيرات أمريكية لمبدأ الدفاع عن النفس بما يبرر الحرب الوقائية، مع الابتعاد عن مفهوم تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية.

حدث الأمر نفسه لدى تفسير الولايات المتحدة للمادتين الحادية والأربعين، والثانية والأربعين من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقتين بتدابير الأمن الجماعي، تم تفسير المادتين على أنهما يسمحان لها باتخاذ إجراءات عسكرية ضد دول أخرى من خلال تحالفات تتزعمها هي.

كيف– وليس لماذا- يحدث ذلك…؟.

يرى أنصار المدرسة السلوكية أن الطبيعة البشرية غير قابلة للتطويع خلال سعيها لتحقيق مصالحها، والسياسة الدولية، بوصفها ظاهرة إنسانية المنشأ، تفترض وجود صراع بين مصالح مختلفة كان بالإمكان حلها لو توافرت الإرادة لدى الطرفين، ويكفي أن يخل طرف واحد بما عليه من التزامات حتى يحل الصراع محل التعاون، أما التعاون نفسه فليس سوى جزرة تتدلى من نهاية عصا.

ما هو القاسم المشترك بين الاتفاق النووي مع إيران، وقبله الانسحاب من اتفاقية كيوتو للحد من ظاهرة البيت الزجاجي البيئية، ومعاهدة فيرساي 1919؟ إنه انسحاب الولايات المتحدة منها، ولمعاهدتي فيرساي والاتفاق النووي الإيراني أثر في زيادة التوتر في العلاقات الدولية، مع عدم وجود دليل على أن صانع السياسة الأمريكية لم يكن على علم بذلك الأثر من حيث تأثيرات الانسحاب سلباً على العلاقات الدولية.

إذاً، هل تقع اللائمة على الطبيعة الإنسانية؟ فإن صح هذا فلماذا تلتزم معظم الدول بما التزمت به عن الولايات المتحدة؟.

قد يقول قائل إن الطبيعة البشرية هي السبب في نقض الاتفاقيات الدولية، فهي التي تفسر أفعال الأطراف الأخرى على هذا النحو أو ذاك، أبسط مثال على ذلك هو تشجيع دونالد ترامب لبريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي يعيد فيه النظر في إعادة التفاوض حول اتفاقيتي النافتا ومنظمة التجارة العالمية، وذلك لهدف براغماتي بحت يعزا إلى خلفيته التجارية غير السياسية، ولهذا الرأي قدر معقول من الصواب يقابله الرأي الذي يقول إن ترامب يتبع سياسة الانغلاق لا الانفتاح، مولياً جل اهتمامه للولايات المتحدة، وفي كلتا الحالتين يبقى السؤال: على حساب من؟.

وسؤالنا هذا يعود إلى أن فكرة عدالة التبادل في المنتجات العالمية فكرة مثالية لا تجد لها ترجمة أمام وعود سياسيي الدول الرأسمالية لناخبيهم بتحقيق مستويات دخل أعلى، ما يجعل السياسيين في تلك الدول يمارسون الهيمنة الاقتصادية والسياسية، آملين بفرض الحتمية الليبرالية التي تترجم هي الأخرى إلى عبارة “الهيمنة”، إذاً اقتصاد السوق لدى الدول الغربية ليس منفصلاً عن الدولة وعن “السياسية”،
كما تدعي الليبرالية.

وعليه، فماذا يمكن أن ينتج عن اقتصاد سياسي يستثمر في قطاع كالتصنيع العسكري مثلاً، أو يستدر أرقاماً فلكية جراء معاهدات عسكرية من أي نوع كانت؟ وكيف لأنصار “الحتمية الليبرالية” التي تنادي بحريات الأفراد الدفاع عن فكرة استخدام الولايات المتحدة لحق النقض في مجلس الأمن بما حرم الفلسطينيين من عدة حقوق تؤثر على حق تقريرهم لمصيرهم؟.

لسنا في وارد بيان تناقض ما تقوله دول الغرب مع ما تفعله، فهذا الأمر أوضح من أن يتم تبيانه، كما أننا لسنا هنا لإعادة ما يعلمه القارئ من تاريخ النوايا السيئة تجاه الدول النامية، ولكننا بصدد طرح سؤال أتركه للقارئ: متى ستنتهي الحروب في العالم، وهي غالب الأحيان قائمة على أساس الاقتصاد الذي يلبي الاحتياجات، في حين أن الاحتياجات لا تنتهي؟.. وبأي لغة ستترجم لغة الاقتصاد إلى لغة صناديق الذخيرة؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *