شرشف قصب (5)

 

د. نضال الصالح

لا محمّد كان يعرف الإجابة عن أيّ من السؤالين، ولا بثينة نفسها كانت تعرف. ما كانا يعرفان، بل ما يتذكران من تلك اللحظة، أنّ الباب وراءهما كان مفتوحاً على آخره، وأنّ المدير كان يقف على نحو نصف متر منه ويصدر صوتاً مصطنعاً لينتبها إلى الحال التي كانا عليها، ولم يكادا ينتبهان إلى وجوده، حتى أسرعا، كأنّهما على اتفاق، إلى التمثيل أنّ بثينة تعثرت بالطاولة، فسقطت، فأنهضها محمد، وأخذ يطمئن على مواضع ارتطام جسدها بالطاولة والأرض، فلم يكن من المدير إلا أن مثّلَ بدوره ابتسامة متورّمة على شفتيه، وقال: “سلامتك آنسة بثينة، سلامتك”، فصدّقت بثينة أنّ المدير صدّق تمثيلهما، فقالت وهي تضع راحتها على رأسها: “لو لم يُهرع الأستاذ محمد إليّ، لكانت الدماء تملأ المكتب الآن”.
بعد أن غادر المدير المكتب، وبعد أن استراح كلٌ منهما، بثينة ومحمد، إلى كرسيه وراء الطاولة، قالت بثينة وهي تحاول ضبط إيقاع الخفق الباهظ لقلبيها، والذي كان زلزل جسدها كلّه بينما هي بين ذراعي محمد لم يدعها تتم عبارتها: “الحمد لله مرّ الأمر بسلام”، فأسرع إلى القول: “هذا المدير رجل نبيل يا بثينة”، وقبل أن تسأل: “أتعني أنّه مثّلَ علينا؟”، هزّ رأسه قائلاً: “أجل، أجل، لم يشأ إحراجنا”، وتابع: “سأحكي له الحقيقة، فليس من عادتي الكذب، هل تأتين معي؟”.
بين خفق قلبها الذي لم يهدأ واضطراب الأفكار التي استعرت في رأسها وهي تردّد لنفسها: “كيف سينظر المدير إليّ بعد الآن؟ ما الذي سيقوله عني؟” كان جسد بثينة يزداد رعشاً على رعش، وكان محمد يجمع الأوراق المبعثرة على الطاولة أمامه، ثمّ يضعها في الحقيبة التي لم تكن تفارقه استعداداً للقراءة والكتابة في أي مكان يكون فيه، ولم يكد ينهض ويدعو بثينة إلى مرافقته، حتى باغتهما المدير بالعودة إلى المكتب وثمة ابتسامة رهيفة تضيء بين شفتيه، وقال: “دعوت نفسي على فنجان قهوة عندكما، تسمحان؟”، ولم يكد يكمل، حتى قال محمد: “أيّ مكرمات للسماء هذا اليوم! مناسبتان سعيدتان دفعة واحدة؟ “، ثم تابع: “موافقة بثينة على طلب يدها، وتشريفك لنا؟”.
القلب الذي كان يخفق، والأفكار التي كان أوارها يستعر في رأس بثينة، أصيبا بسكتة مباغتة، بل إنّ جسد بثينة نفسه تحوّل إلى ما يشبه التمثال، ووحدها كانت عيناها تومضان بغير سؤال يستغيث عينيّ محمد فيما إذا كان ما يقول يعنيه حقاً، ولم يكد محمد يلتقط السؤال الصاخب في العينين، حتى قال للمدير: “ألن تبارك لنا أستاذ؟”، فبادر المدير إلى القول: “أكيد، أكيد. مبارك”، وما إنْ وقعت عيناه على ما تبقّى من الأوراق على طاولة محمد، حتى سأله: “السويداء؟ مقال جديد؟ لنا في الصحيفة أم لمجلة….؟”، ولم ينتظر إجابته، بل تابع يقول: “أحلى حفل عرس لأحلى عروسين”.
المدير يحكي، ومحمد يحكي، وبثينة بينهما أشبه بتمثال من الرخام، ولا شيء يتردد في رأسها ويكاد يغادر حنجرتها بصوت يسمعه محمد سوى: “هل تعني ما تقول؟”، وعينا محمد تضيئان بغير إشارة تعني أنْ….. (يتبع).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *