المدينة الغافية على كتف العاصي

 

شمالا باتجاه اللواء الحبيب.. أسدلت شعرها على كتف العاصي وغَفت تاركة وراءها ثمانية وسبعين عاما من الحرمان والغياب. ذاك التاريخ المشؤوم من عام 1939 لا تريد أن تذكره ولا رغبة لديها في الحديث عما حصل، لكن اللغة حاضرة والذاكرة مشبعة بكل التفاصيل والعادات والتقاليد التي لا يتخلى أصحابها عنها. المدينة الطفلة التي كبرت في الغربة، لم تنسها بلادها ولم ينسها الحجاج من كل طرف، فهي قبلة دينية هامة وواجهة تاريخية ومقصد الكثيرين ممن ما زالوا يحتفظون بالبوصلة.
أنطاكية التي وقفت في منتصف الطريق، لم تعرف طريق العودة ولم تستطع العبور إلى الداخل الجديد، منفردة بذاتها ولا تشبه غيرها من المدن على الرغم من اختلاف الثقافات فيها والأعراق، بقيت على حالها ولم تركب موجة التغيير إلا بما يخص حركة البناء والعمران والخدمات.
“الكوبري” أي الجسر الذي يقسم مركزها، تراه يضج بالوجوه كل يوم فهو يصل المدينة بالسوق القديم الذي يشبه بطابعه وسقفه المقبي أسواق الشام وحلب، البهارات والنكهات والصناعات الخشبية والنحاسية والقماش كله تحت سقف “السوق الطويل” كما يسمى، وهو مقصد غالبية السكان على الرغم من وجود مراكز االتسوق الكبيرة.
العاصي الذي يلف المدينة من خصرها تراه كيفما نظرت عابرا الجهات كلها وصولا إلى خليج مدينة السويديه وقد أسموها “صامان داغ” أي جبل سمعان حيث يلتقي بالبحر الأبيض المتوسط ويرتاح عند خاطره تماما تحت سفح الجبل الأقرع، والذي تتقاسمه مع شقيقتها اللاذقية.
المقاهي الشعبية في أنطاكية تستقبل زبائن طاولة الزهر وورق الطرنيب من المتقاعدين وكبار السن يوميا والرفيق الأكثر حضورا هو كوب الشاي المخمر الذي يرافق الصباح والمساء، ويحل في أي وقت محببا لذيذا. أما الشباب فيميل اتجاههم إلى أنطاكية القديمة حيث الزواريب الضيقة والبيوت عربية التصميم ببحرتها وأشجار ليمونها ونارنجها التي أضحت مطاعم ومقاه. هناك حيث يلتقى الماضي بعراقته ووقاره والحاضر بتفاصيله الصاخبة، تجد أن للمشروبات الروحية والحفلات الاهتمام الأكبر. السيدات عادة لا يمارسن طقوسهن إلا بعد الظهر، يخرجن لشرب الشاي والجلوس في الحدائق القريبة من بيوتهن أما بالنسبة للأحاديث والحكايات وبعض الثرثرة فهذا الطقس لا علاقة له بأي عارض ولا يتأثر بتوقيت ما.. إنه الضيف الذي أصبح من أهل البيت.
العجائز في أنطاكية لم يعرفوا إلا العربية لغة ولا يريدون حتى، على عكس أحفادهم من الجيل الجديد. هذه اللغة الأصيلة باقية على الرغم مما تعرضت له سابقا من محاولات اغتيال لها، ولمن يتحدث بها جهرا، التهمة الجميلة لـ “عرب المنطقة” كما يسمونهم والذين يتشاركون النسب والألقاب والكنيات مع شركائهم في الطرف الآخر من الحدود.. عائلة واحدة بأخين، واحد في اللاذقية أو حلب مثلا وآخر في السويدية أو إسكندرونه .
بكل ما مر فيها من أحداث تاريخية وسياسية وقصص وحكايات مخبأة في ذاكرة الجدات تبقى بسيطة وقريبة إلى القلب وتتودد لكل من يأتي إليها.. المدينة الأصيلة حتى وهي تنبض في كنف الغريب أنطاكية.
ندى محمود القيّم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى