تحقيقاتصحيفة البعث

أسرة أصغر.. نماء أكبر! السلوك الإنجابي المجتمعي.. علاقة غير متوازنة بين المفهوم الاقتصادي والسكاني.. والحل في تفعيل مساهمة المرأة

لا يمكن الفصل بين المفهوم الاقتصادي والمفهوم السكاني، فالعلاقة بين المفهومين تندرج في خانة التوءمة الضرورية، لأنه، وحسب رأي الخبراء الاقتصاديين، أي زيادة في السكان تتطلب ثلاثة أمثالها في استثمار رأس المال حتى نستطيع تلبية احتياجات هذه الزيادة السكانية التي سيؤدي عدم تلبيتها إلى مشكلات اقتصادية اجتماعية وتربوية، وبالتالي إذا تراكمت المشكلات الاقتصادية سيصبح حلها أكثر صعوبة، وهذا يتطلب أيضاً الاستفادة من كافة الطاقات، واستثمار الإمكانيات المتوفرة خير استثمار، ومن هنا تأتي أهمية وضرورة تعليم المرأة لما لهذا الأمر من أهمية برفع وتحسين مستوى المعيشة لها ولعائلتها فيما بعد.
أسرة مثالية
بالتأكيد حرية الأبوين في تقرير عدد الأطفال، والفترات الفاصلة بينهم، هي حق من حقوق الإنسان الأساسية، وتشكّل أمراً محورياً لتحقيق مساواة النوع الاجتماعي، إضافة إلى أن تمكين المرأة من ممارسة دورها الطبيعي في المجتمع سيكون عاملاً أساسياً للحد من الفقر، ومن هذه النقطة تحدث الدكتور مطانيوس مخول، عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية بالتفويض، عن ضرورة وأهمية وجود تخطيط من قبل الزوجين لعدد الأطفال، ما يسمح بتنشئة أفضل للأطفال ليكونوا أكفاء جسدياً، وفكرياً، وعلمياً، وحتى المستوى التغذوي لأفراد الأسرة سيكون أفضل مهما كان الدخل، مضيفاً بأننا نستطيع أن نتحكم بالخصوبة، وهذا بالطبع لا يمكن أن يحدث إلا بالتشارك بين الزوجين، ومن المهم جداً أن يتمتع الزوجان بالصحة الإنجابية، وهنا عندما نقول صحة إنجابية لا نعني فقط العلاقات الجنسية، بل يجب أن نأخذ بالحسبان الأمور النفسية، والأخلاقية، والعقلية، كل هذا هو عبارة عن صحة إنجابية، لذلك يجب أن نعمل على توفير وسائل تنظيم الأسرة، سواء كانت الاصطناعية، أو الطبيعية، وكما هو معلوم أوصت بها جميع الديانات عندما وضعت عامين على الأقل رضاعة، وبالتالي تكون هناك تلقائياً مباعدة بين الحمول، ما يخفض عدد الولادات، ويؤكد الدكتور مخول بأنه من الضروري أن ننتبه لموضوع الزيجات المبكرة، خاصة للفتيات من خلال رفع سن الزواج، إذاً من الضروري جداً التخطيط بشكل جيد للزيادة السكانية وإلا ستكون هذه الزيادة خطراً علينا، ويتابع الدكتور مخول بأننا إذا أخذنا الإجراءين الأخيرين اللذين اتخذناهما في المؤتمر الأول للسكان في سورية، سنلاحظ أن هناك إيحاء غير مباشر بتخفيض عدد الولادات، أي بعد الطفل الثالث لا تستطيع الأم أن تحصل على إجازة الأمومة فيما يخص المرأة العاملة، ولا يوجد هناك تعويض عائلي يعطى لما بعد الطفل الثالث.

من الناحية الاقتصادية
تحدث الدكتور عمار يوسف، الخبير الاقتصادي، عن أهمية الموضوع، خاصة في الدول التي تسير في طريق التنمية، وفي سورية بشكل خاص لما مر عليها من حرب وتدمير ممنهج للاقتصاد السوري، موضحاً بأن سورية قبل الحرب اختلفت عن سورية ما بعد الحرب، خاصة بعد الضائقة المالية التي يعاني منها المواطن السوري اليوم، فحسب معدل الدخل ما قبل الحرب مقارنة فيما بعد، سنلاحظ أن القدرة الشرائية للمواطن السوري انخفضت بمعدل كبير عما كانت عليه قبل الحرب، وبالتالي انعكس ذلك على الأسرة السورية، فكلما كبرت الأسرة قلّ ما سيصرف على الفرد فيها، الأمر الذي اضطر المواطن السوري إلى التقليل من عدد الأطفال ليؤمن معيشة عائلته، لذلك المواطن ما بعد الحرب مضطر لتنظيم عدد الأطفال، الأمر الذي سيعود بالفائدة على الجميع، مضيفاً بأنه من المناسب للأسرة والمجتمع أن يكون في الأسرة طفلان على سبيل المثال يعيشان في مستوى اجتماعي وثقافي جيد من أن يكون للأسرة ستة أطفال مثلاً لا يمكن تأمين معيشتهم، أو طبابتهم، أو تعليمهم بالشكل اللائق، مؤكداً أن هذا الأمر ظهر في سورية كتجارب فردية قبل الحرب، ولكن اليوم أصبح ثقافة مجتمعية اضطرارية بسبب الظروف الاجتماعية التي أفرزتها الحرب، من جهته وضح الدكتور في جامعة حلب، كلية الاقتصاد، سليمان عوض، أن المورد البشري، كماً ونوعاً، هو أهم مورد للتنمية الاقتصادية، وتزداد أهميته مع تطبيق الاقتصاد المعرفي الذي يعتمد على أعداد أكبر من الخبراء عبر جودة تعليم تبدأ منذ المراحل المبكرة، وتاريخياً الثورة الصناعية تطلبت أكبر كم من العمال، واليوم نتيجة الأتمتة الصناعية قلت الحاجة للعمال، ولكن زاد الطلب عليهم في القطاعين الخدمي والمعرفي، ففي الدول النامية كدول شرق آسيا، كان العدد الكبير للسكان عامل جذب للاستثمارات كثيفة العمالة، خاصة أن لديهم مهارات متنوعة، أما الدول الغربية فاستفادت من أطفالنا المهاجرين لإعادة الشباب لمجتمعاتهم الهرمة، وتجهيزهم كخبراء المستقبل للاستفادة منهم كعماد للاقتصاد المعرفي، وبالنسبة للقرار الأنسب لعدد أفراد الأسرة يحدده الزوجان حسب موقفهما، وظروفهما، ودعم الدول، والوضع الاقتصادي.

التنمية
يوضح الدكتور عوض أنه نظراً للتشوه الذي حصل لثروتنا البشرية، ينبغي على الدولة وضع استراتيجية لإصلاح ذلك التشوه باستقطاب الشباب من الخارج، وتشجيعهم على تكوين الأسر المستقلة لتلبية حاجة القطر للإقلاع بالتنمية الاقتصادية المستدامة، أما الدكتور عمار فيؤكد أن الأسرة الصغيرة تشكّل عاملاً أساسياً ومهماً في عملية التنمية الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية بشكل عام، والذي يتم توزيعه على شخصين هو أكثر مما يمكن توزيعه على ستة أشخاص، وقلة عدد أفراد الأسرة تجعل التنمية مواكبة إلى حد بعيد مع تطور المجتمع، وتسهّل على الحكومة تأمين متطلبات المواطن.

الصحة الإنجابية
من حق أي شخص أن يحصل على أعلى مستوى من الصحة الأسرية والإنجابية، كما ذكرت منظمة الصحة العالمية التي اعتبرته حقاً أساسياً من حقوق الإنسان في أن تكون له الحرية باتخاذ القرارات المتعلقة بالإنجاب دون قسر أو عنف أو تمييز، أيضاً كان مفهوم الصحة الإنجابية من أهم إنجازات المؤتمر العالمي للسكان والتنمية في عام 1994 الذي أكد على ضرورة الاهتمام بصحة المرأة، وتمكين دورها في المجتمع، خاصة أن الأنثى في مجتمعاتنا تتعرّض للكثير من التمييز، وهنا يؤكد الدكتور محمد أكرم القش، رئيس الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، أننا اليوم بتنا نلحظ سيادة نمط الأسرة النواتية أو الصغيرة المؤلفة من الأب والأم والأولاد، وهذا يرتبط بمعدل الخصوبة، وهو يرتبط بالتعليم والعمل، وبوسائل تنظيم الأسرة ومدى انتشارها، وإمكانية الحصول عليها، وهذا جزء بالنهاية من السياسة الاجتماعية، موضحاً أننا لا نقصد بالسياسة تنظيم الأسرة، وتحديد النسل، بقدر ما هي سياسات تنموية تشجع على عمل المرأة وتعليمها ومشاركتها، وبالتالي كل هذا سيؤدي إلى تكريس نمط الأسرة الصغيرة، مضيفاً: اليوم الخطط والإجراءات التنموية التي نعمل عليها هي خلق بيئة مواتية لتكون الأسرة صغيرة لا يمكن وضع قوانين إجبارية أو قسرية لتحديد عدد الأطفال، فهذا غير منطقي وغير عملي أو مفيد، فالمفيد أكثر هو خلق بيئة موضوعية تمكن المرأة من المساهمة أكثر في المجتمع من خلال متابعة تعليمها، ما سيحجم بالتالي فترة الخصوبة من خلال مشاركتها بسوق العمل ضمن المجتمع بشكل أوسع، وسيدفع بها إلى أن تتجه نحو التفكير بتأسيس أسرة صغيرة من خلال خلق الوعي بين إمكانيات الأسرة الاقتصادية الاجتماعية، وقدرتها على رعاية أبنائها، ما سيمكنها من تخفيض عدد مواليدها الذي ترغب بإنجابه، وقد أظهرت نتائج آخر دراسة أجريت عن عدد الأطفال المرغوب بإنجابهم، أن العدد المرغوب لا يزيد عن أربعة أطفال، مع أن هناك أسراً تنجب أكثر مما ترغب لأسباب عديدة، منها عدم حصولها على وسائل تنظيم على سبيل المثال، ويؤكد الدكتور القش أن الدور الأكثر فعالية هو أن تدرس الأسرة إمكانياتها، وتبحث عن مصلحتها، وتقدر على ضوء هذه الدراسة عدد الأطفال الذي ترغب بإنجابه، والذي تستطيع أن تقوم بتربيته تربية سليمة، وتعليمه وتأهيله ليكون عوناً لها وإلا ستبقى واقعة بمسألة العوز، وضعف مستوى المعيشة طالما أنها لا تقدر أن تعد وتبني أبناءها وتؤهلهم ليدخلوا سوق العمل متمكنين ليخرجوا من حلقة الفقر ويصبحوا فاعلين ومنتجين، موضحاً: بسبب ظروف الحرب اضطرت بعض الأسر أن تسكن مع بعضها، ما أدى إلى خلل بعملية الاستقلالية، خاصة عند الأسر المستقلة الحديثة أو الشابة، ومن جانب آخر الأسر التي اضطرت للنزوح إلى الدول المجاورة، لاحظنا عندها تغيراً في السلوك الإنجابي، حيث أصبحت الأسر ميالة إلى إنجاب عدد أكبر من الأطفال، ومرد هذا السلوك بسبب عوامل من أهمها اعتماد الأهل على أطفالهم لكسب قوت يومهم، وبالتالي حرمان الأطفال من التعليم لاعتماد الأهل عليهم بالإنتاج والدخل، ولكن اليوم مع الاستقرار ستعود الأسر للتفكير بمقدراتها وإمكانياتها بشكل جدي.

مصلحة الأسرة والمجتمع
إن الإجراءات والسياسات والخطط هي في خلق البيئة، بمعنى أننا يجب أن نعمل على توفير التعليم، وتمكين النساء، وتشجيعهن على متابعة التعليم، وألا نكتفي فقط بمحو الأمية لديهن، لأن السياسات التي نتبعها حتى نساعد الأسرة على أن تختار عدد أطفالها متمثّلة بخلق بيئة موضوعية لتتمكن من الاختيار الأسلم وبالشكل الصحيح، فكل السياسات الاجتماعية والتنموية والاقتصادية تصب في تشجيع الأسرة على أن يكون خيارها بطفلين إلى ثلاثة أطفال، سواء بالتعليم، أو بالتدريب، أو بالتوعية لما له من فائدة تصب في مصلحة الأسرة أولاً، ومن ثم المجتمع.

لينا عدرة